رائد النشر في العالم الإسلامي

الاسم: محمد عدنان.

النسبة: سالم.

تاريخ ومكان الميلاد: 20 سبتمبر 1932م. دمشق، سورية

لا تقاس الحياة بالسنين التي يعيشها الإنسان، بقدر ما تقاس بالإنجازات التي حققها لأمته وأهله

 

 

النشأة والدراسة:

بدأت القصة عندما عزم الوالد الحاج حسن عبد القادر سالم أن يعود لوطنه سوريا بعد طول اغتراب في الأرجنتين، بدافع الحفاظ على دينه وبيئته التي كان قد نشأ فيها؛ ليؤسس عائلة وعملا تجاريا يمكّنه من العيش بكرامة. وفور عودته إلى دمشق، وجد في نشاط حركة الداعية المرشد الشيخ «علي الدقر» الأمل المنشود؛ فالتحق بالحركة وتحمس لها، فكان من المقربين للشيخ ومن نشاطه الدعوي ومن الداعمين لهذه الحركة ماديا ومعنويا.

 وعندما تزوج الحاج حسن من أسرة دمشقية متدينة ومتأثرة بحركة الشيخ «علي الدقر» أيضا، وعد إن جاءه الولد البكر صبيا سينذره للعلم وخدمة الأمة، وتحقق الحلم ووُلد الطفل محمد عدنان في دمشق الفيحاء سنة 1932. 

نشأ الطفل هادئا على غير عادة الأطفال، جادا في لعبه واهتماماته، متفوقا، ومتمتعا بذكاء متميز، وهذا ما لاحظه والده عليه، فألحقه حين بلغ السادسة من عمره بمدرسة «سعادة الأبناء» التي كانت من خيرة مدارس دمشق، وتشرف عليها «الجمعية الغراء» التي درّس فيها أهم علماء دمشق: كالشيخ عبد الوهاب الحافظ، وعبد الكريم الرفاعي، وعبد الرحمن الزعبي، ومحمد خير عرقسوسي، وعبد الرؤوف أبو طوق، وخالد الجباوي، وأحمد منصور المقداد، وآخرون، وتخرّج فيها عدد كبير من العلماء والشخصيات المميزة.

 

تابع دراسته فيها، ولما وصل إلى الصف الثامن تقدم حرا لفحص الشهادة الإعدادية العامة. وبعدما نجح عاد لدراسته في معهد العلوم الشرعية التابع للجمعية إلى أن وصل إلى الصف الثاني الثانوي فتقدم حرا مرة أخرى لفحص الثانوية العامة العلمية «بالمدرسة التجهيزية «التي أطلق عليها -فيما بعد- اسم «ثانوية جودة الهاشمي»، وكان يشار إليها بالبنان؛ إذ خرّجت معظم النخب التي كانت تقارع الاستعمار الفرنسي وتتأهب لإدارة الدولة والمجتمع بعد رحيله، فتخرج في الثانوية حائزا على شهادة الثانوية العلمية سنة 1949، واستمرت في نفس الوقت دراسته في معهد العلوم الشرعية حيث نال الثانوية الشرعية سنة 1950.

 

ينقل الأستاذ عدنان سالم عن والده فيقول: «بعد أن أتم والدي إجراءات تسجيلي خلا بي ليضع في يدي وثيقة تسجيلي في تلك الثانوية، وليُسِرَّ إليّ بسرٍّ ظل دفينا في صدره كل هذه الأعوام؛ فقال: كنت -عندما رزقني الله تعالى بك- قد دعوت الشيخ علي الدقر لعقيقتك، وكان يوما مشهودا.. ولفرط تأثري بالطلبة المعمّمين قلت للشيخ عند وداعه: أشهدك أني قد نذرت ولدي هذا للعلم الشرعي. فكان هذا نذري الذي يلزمني ولا يلزمك؛ فإن شئت أن تمضيه لي فأنت مخيّر؛ وهذه وثيقة تسجيلك في التعليم العام بيدك. قلت لوالدي على الفور: بل أنفّذه وأعدّ نذرك نذري؛ فلم أر بعد ذلك في حياتي أكثر بركة ونجاحا من هذا الخيار؛ وفقني الله تعالى فيه للجمع بين الحسنيين وزيادة».

بعد الثانوية العامة تاقت نفسه إلى كلية الحقوق حيث فضلها على كلية الآداب، فالتحق بالجامعة سنة 1949 وتحصل على إجازة الحقوق من جامعة دمشق سنة 1954؛ وكانت سوريا والعالم العربي كله على موعد مع الانقلابات التي بدأها حسني الزعيم في سوريا ثم استكملت فيما بعد إلى مصر وليبيا والعراق وغيرها، فكان هذا -كما يقول عدنان سالم- ضرورة من ضرورات قيام الكيان الصهيوني.

 

موقف مؤثر في حياة الشاب محمد عدنان سالم:

لقد كان لاستشهاد أخيه «نذير» على يد الغدر الإسرائيلي في «البطيحة السورية» أثر كبير في نفسه، إذ قال له ساعات قبل استشهاده وهو ذاهب مودّعا مسرعا للجبهة بعد أن سمع أن فرقته العسكرية قد هوجمت من طرف الصهاينة: «أوصيك بابني خيرا، اختر له اسما جميلا «، فكانت آخر عبارات سمعها من نذير. 

 

استقبل الوالد حسن سالم -والد محمد عدنان ونذير- الخبر بثبات وحِلم وقال للمشيعين وكان بينهم عدد من الضباط زملاء الشهيد: «لقد استشهد نذير لكن ماذا علينا أن نفعل كي لا تضيع دماء الشهداء سدى؟ كيف نستعيد أرض فلسطين؟». 

لقد توطنت القضية الفلسطينية في نفسه وقلبه وأصبحت الهمّ الأكبر في حياته وهو الذي خرج في عشرات المسيرات المندّدة بالاحتلال الإسرائيلي وبمجازره واعتداءاته، وما زال السؤال مطروحا عنده إلى يومنا، ماذا نفعل لاستعادة أرضنا المغتصبة؟؟؟

 

ومع تشكّل وَعيِه تولّدت لديه في مرحلة الشباب تساؤلات قلما كانت تخلو منها نفوس أقرانه، إلا أنها كانت في نفسه أعمق، ولعلها هي التي بلورت في عقله فكرا خاصا، بقي في ذهنه ينهل منه كل حياته.

تأثر الشاب محمد عدنان سالم بالحياة الجامعية الثقافية الحاشدة التي كانت تحياها الجامعة السورية -جامعة دمشق- في الخمسينيات، وما صاحبها من فورة الطلاب السياسية والفكرية والاجتماعية بكل مظاهرها العنيفة، هذه الحياة ما كانت لتترك طالبا دون أن تمسك به في إحدى تياراتها المتصارعة، فكيف بشاب متوثب الفكر، مرهف الأحاسيس مثل محمد عدنان سالم.

وتركزت في ذهن الشاب الجامعي بكل حماسه واندفاعه أفكار متوثبة، على رأسها الإيمان بضرورة التغيير إلى الأحسن والأمثل، من خلال الحوار والحجة.

بعد حصوله على إجازة الحقوق؛ اجتاز الخدمة الإلزامية لمدة سنتين، ومع المحاماة بدأ محمد عدنان سالم حياته العملية، فمارس المحاماة ما بين 1956 و1957، إلا أنه لم يصبر على أجوائها وما آلت إليه أحوالها في المحاكم، فلم يمض أكثر من ستة أشهر إلا وكانت المحاماة محطة ماضية من محطات رحلة الرجل، وراح يتساءل عن عمل يجد فيه نفسه، فتزامن ذلك مع زيارة الشيخ محي الدين القليبي التونسي الذي استقبله عدنان سالم في منزله لفترة طويلة؛ وقد كان الشيخ معروفا باستنهاض الشباب العربي والمسلم للدفاع عن تاريخه وحضارته وحقه في الوجود، وبدفعهم للجهاد في فلسطين ومقاومة الاحتلال حيثما كان. ومن هنا بدأت قصة دار الفكر.

كيف يمكن أن تنهض أمتنا وترتقي مجتمعاتنا متنا وترتقي مجتمعاتنا إلى المستوى الحضاري اللائق؟، كان السؤال الذي يلح عليه ويؤرقه دائما..

 

مرحلة التأسيس لدار الفكر 1957:

فكرة لمعت في ذهنه ثم نفّذت مع مطلع عام 1957، وجدت صداها عند أخيه الأستاذ محمد الزعبي وأخيه أحمد الزعبي، وكانت أثرا لتبني رأي الزعيم التونسي المجاهد «محي الدين القليبي» الذي قال للشباب يوما: «إن المعركة القادمة ليست بالسلاح فقط، بل لابد من أعمال فكرية أيضا وإن كنتم تريدون عملا تفخَرون به فليكن دارا للنشر ولتكن دار الفكر». 

سرعان ما وجد ضالته في الكتاب الذي أحبّه وشغف به، فبدأت دار الفكر بمطبعة يدوية، ثم تطورت إلى صالة عرض، فدار للنشر، ضربت بجذورها في أرض العلم، وبفروعها وأغصانها في آفاق المعرفة المتجددة.

لم يكن الأستاذ محمد عدنان سالم يسعى ليكون مجرد بائع كتب لا يهمه المضمون، ولا يُعنى بالفكر، وإنما كان يخطط لرسالة يقوم بأعبائها بمسؤولية تامة، هي مسؤولية الكلمة التي تبني الإنسان، وتنشئ الحضارة، وتواجه العدو، وتدافع عن البلاد والعباد، وخاصة أنه تأثر بفكر مالك بن نبي، وأعجب بطروحاته في مشكلات الحضارة، التي محورها الإنسان.

أصبحت دار الفكر شغله الشاغل وبيته الآخر الذي يمتد وجوده فيه لساعات طوال؛ يخطط مع العاملين ويتفقد أحوالهم؛ فهم إما أصدقاؤه أو أولادُه، لهذا بادلوه الحب بالحب والالتزام الأخلاقي بالعمل، يناقش المؤلفين ويدير الأزمات بروح مرحة ملؤها عنفوان الشباب والإيمان بالمستقبل الأفضل، فقد مد يد العون للجميع لأنه يعرف أن العمل الناجح يحتاج إلى المشاركة من كل الأطياف.

أخذت الدار من اهتمامه ربما أكثر من بيته وأهله لكنه حين يكون بينهم يغمرهم بعطفه ورقّته وتتحول الدقائق المعدودة إلى ساعات من اللطف والحب الصادق. 

جلب الكتب المرجعية والجامعية والثقافية من الدول العربية، واستورد الكتب من أكسفورد وكامبردج... وبدأت الدار تُصدر الكتب حاملة شعار دار الفكر لتوزّع على عواصم العالم العربي بلغة عربية فصيحة. فعشقه للغة العربية جعله يخصص لها العديد من الإصدارات.

وسعى وراء المؤلفين الأفذاذ لكي يكتبوا في علوم اللغة، ودعا المؤرخين والعلماء والفقهاء والأدباء للتأليف بدل الاكتفاء بالأخذ مما يأتينا من الغرب. فهو ناشر صانع للمعرفة منتج وموجه لها، لا متلق فقط. 

شجع على الإبداع والابتكار والتجديد؛ وتوسيعا ونشرا للفكرة سافر إلى السودان وأسس مع شريكه عبد الرحيم مكاوي (الدار السودانية للكتب) وغدت من الدور الشهيرة هناك. كما كان له في اليمن مساهمات بتأسيس دار للنشر انبثقت عن دار الفكر، وكان لها شأنها، عرفت باسم (دار الحكمة اليمانية)، ومنذ قامت دار الفكر في الخمسينيات تطلع مؤسسوها إلى الآفاق، إذ لم تكن دمشق لتسعهم... فسرعان ما افتتحوا مكتبا لهم في القاهرة أيام الوحدة مع مصر، وكذلك في الجزائر.

فالحياة في اعتقاده تسير كسفينة تمخر عباب الزمن، وعلينا أن لا نتوقف أبدا عن التقدم والتحديث، فالوقوف هو طول الأمد الذي نهينا عن الاغترار به

فلسفة دار الفكر:

وضعت دار الفكر منذ أيامها الأولى خطوطا عريضة لأهدافها، انحصرت في نقاط هامة وعلى رأسها:

 تزويد المجتمع باحتياجاته المعرفية للصغار والكبار.

 الحوار والفكر المستنير المحترم للتراث والآخر.

 احترام حقوق الملكية الفكرية لتشجيع الإبداع.

 تبني الأعمال المجددة والمستشرفة للمستقبل. 

وفي مجال التطبيق اعتمدت الدار على معايير أساسية لم تخرج عنها، هي معايير الإبداع والعلم والحاجة، ومعايير التدقيق اللغوي لكل كتاب، ومعايير التخطيط للمستقبل، وهندسة الأبحاث والأفكار، وغلفت كل ذلك بمضمون الحديث الشريف: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه).

وما لبثت المطبعة أن تطورت، فاستقدم الأستاذ عدنان مطبعة آلية، وتطورت دار الفكر في مجال الطباعة مع الأجهزة الحديثة، ثم خطت خطوة نوعية في مجال الطباعة، فأدخلت إلى دمشق، بل إلى سوريا لأول مرة في تاريخ طباعتها أجهزة للصف التصويري الضوئي في السبعينيات، وكانت السباقة بعد ذلك إلى اعتماد الطباعة الحاسوبية، وعلى إثر ذلك، توسعت اتصالات الدار وصِلاتها، فقامت بأعمال نشر مشتركة مع مؤسسات عديدة، كالمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي، ودار صادر في بيروت، ومعهد غوته الألماني.

وقد بلغت منشوراتها حتى اليوم أكثر من ألفي عنوان (2000)، غطت جميع أنواع المعرفة، واهتمت بالأحداث الجارية وبهموم الأمة، هذا غير السلاسل والموسوعات والنشر الإلكتروني.

 

دار الفكر ومعطيات العصر:

1. الحضور الالكتروني:

عرف الأستاذ محمد عدنان بخبرته المهنية أن عصر الكتاب الورقي بدأ بالانحدار، وأن المستقبل للكلمة الإلكترونية الممتلئة على الشاشة فأنشأ المواقع: «فكر»fikr.com ، «فرات» furat.com ، وكانت من أوائل المواقع الإلكترونية على الشبكة التي تقدم العروض على الكتب للقراء، وموقعا لحماية الملكية الفكرية arabpip.org وموقعا للأطفال يعنى بآمالهم وتطلعاتهم «عالم زمزم»zamzamworld.com ، وموقعا للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي bouti.com ، وآخر للدكتور وهبة الزحيلي zuhaili.com ، وموقع «تحت الرماد» underash.com.

2. عالم الأطفال:

وعَلِمَ أن أطفالنا تحولوا من قراءة الورق إلى قراءة الشاشات التي تسحرهم بألوانها وأشكالها وألعابها فأسس شركة أفكار  AFKAR Media لتقديم الألعاب الجادة للأطفال، تراعي انتماءهم وخصوصيتهم. فكانت لعبة (تحت الرماد) وهي أول لعبة عربية بصناعة سورية، ثم تلتها (تحت الحصار)، وهما تتحدثان عن واقع الانتفاضة الفلسطينية ومعاناة أهلنا في فلسطين، ثم جاءت لعبة (قريش) لتستعرض نشأة الحضارة العربية الإسلامية.

3. مبادرات لتمتين العلاقة مع الكتاب:

ضِمن الإحياء الثقافي في المجتمع قامت دار الفكر بإنشاء مبادرات حضارية تعيد العلاقة مع الكتاب فأحدثت:

أ‌. بنك القارئ النهم: 

لأن شبكة الأنترنت بدأت تنافس الكتاب على قلب القارئ لقدرتها على خزن المعلومات واستعادتها وتقديمها بشكل جذّاب، أنشئ بنك القارئ النهم عام 1996 لتشجيع الشباب على القراءة ووصل عدد المشتركين إلى 14000 مشترك في 94 دولة وأعطيت جائزة سنوية لأفضل قارئ.

ب‌. الإحياء الثقافي (الإعارة المجانية للكتب):

سعيا من دار الفكر للبقاء دائما قريبة من القارئ، ونظرا لتعسر الظروف على البعض في اقتناء الكتب، أنشأت مكتبة الاستبدال والإعارة المجانية لتشجيع الجيل الجديد على القراءة وبناء مجتمع قارئ.

ج. الأسبوع الثقافي: 

هذا الحدث تُقيمه الدار سنويا بمناسبة اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، وفيه تقدم جائزة للمؤلف المبدع وجائزة للرواية، وتدعو إليه المفكرين والكتاب والفنانين للتحدث في موضوع يعتمد شعارا سنويا للدار، وقد كان هذا التقليد لـ: 10 مواسم ثقافية.

د. الطفل والكتاب:

اهتمت الدار أيضا بفئة الأطفال فخصصت قِسما يُصدر كتبا موجهة لهم، يراعي فيها الجوانب المعرفية والإدراكية للطفل (القيم والمبادئ الأخلاقية).

 

لا قوة لكلمة تعيش معزولة في الأبراج لا تمشي بين الناس في الأسواق

إصدارات دار الفكر:

إصدارات دار الفكر متعددة، منها ما هو موجه للكبار ومنها ما هو موجه للأطفال، ومن بين إصداراتها الموجهة للكبار، نذكر ما يلي: 

 سلسلة حوارات لقرن جديد: يتحاور فيها كبار المفكرين العرب والغربيين حول المواضيع الساخنة محليا وعالميا. 

 موسوعة شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم لنشوان الحميري.

 سلسلة مشكلات الحضارة لمالك بن نبي.

 سنن تدبير النفس والمجتمع لجودت سعيد. 

 أطالس العالم الإسلامي لـ: د.شوقي أبو خليل.

 موجز تاريخ الكون لـ: د.هاني رزق  2004. 

 شرح الحكم العطائية لـ: د.محمد سعيد    رمضان البوطي. 

 مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر في 21 مجلدا.

 من أجل صهيون لـ: د.فؤاد شعبان. 

 هروبي إلى الحرية الرئيس علي بيجوفيتش 2003.

 إصدارات إلكترونية من الفقه الإسلامي وأدلته (شركة أفكار ميديا).

ومما نُشر لمؤلفات منظومة الرشد بالتنسيق مع مؤسسة "كتابك" -الجزائر:

 أصول الإيمان، لـ: د. مصطفى وينتن ود. محمد باباعمي.

  أزمتنا الحضارية لـ: د. طه كوزي.

 تيه ورشاد لـ: د. محمد باباعمي.

 رواية بوبال لـ: د. محمد باباعمي.

في حب كلام الله لـ: د. محمد باباعمي.

المخانق والمضايق .. بحثا عن نقطة الانعطاف لـ: د. محمد باباعمي.

معركة الوعي لـ: د. طه كوزي.

القرآن نسخة من الإنسان لـ: د. طه كوزي.

 

 

علاقة دار الفكر بدور النشر الأخرى:

بنى الأستاذ محمد عدنان سالم علاقته مع الناشرين على الاحترام المتبادل القائم على سعة الفضاء المعرفي، واستيعابه كل الأطياف، وضرورة النهوض بمهنة النشر عربيا إلى المستوى العالمي ليكون الصوت العربي في الساحة الدولية. فأسس مع مجموعة من زملائه من دور النشر السورية في عام 1994 اللجنة التحضيرية لاتحاد الناشرين السوريين. كما سعى مع عدد من دور النشر العربية إلى تأسيس اتحاد الناشرين العرب وكان ذلك في عام 1995.

ولأنه يرى أن الإبداع لا يتحقق إلا إذا تمت حمايته من القرصنة كما تحمى الممتلكات العينية فقد ساعد على إنشاء اللجنة العربية لحماية الملكية الفكرية عام 1995.

وكانت مشاركة اتحاد الناشرين العرب في معرض فرنكفورت الدولي للكتاب في عام 2004 إنجازا هاما؛ فقد تمت استضافة الحضارة العربية الإسلامية، وفتح المجال للتعريف بإنجازاتها على الصعيد الثقافي والأدبي والعلمي، وكانت مساهمة دار الفكر فعالة. وطبعت في هذا المعرض أكثر من 30000 مطبوعة وكتاب ووزعت على زوار الجناح، واستضافت عددا من المفكرين العرب والأجانب للتحدث عن الحضارة العربية الإسلامية.

لن تتحول الكلمة من إطار نظري إلى نطاق الفعل إلا إذا ولجت قيمها في ضمائر الناس واستقرت في وجدانهم لتتجسد في سلوكهم وعملهم، وما لم تفعل ذلك ظلت ظاهرة صوتية تبوء بمقت الله.

علاقة دار الفكر مع مالك بن نبي:

لم تكن علاقة دار الفكر بمالك بن نبي مجرد علاقة ناشر بمؤلف، (فقد اعتمدت منذ تأسيسها سنة 1957 على منهج يتوخى العلم والإبداع والتجدد والحوار، يبحث عن الآخر وسيلة لتنمية الذات، وعن الشباب واسطة لبناء المستقبل، وعن الفعالية طريقا للتغيير، ورأت في فكر بن نبي ما يثري منهجها ويحقق تطلعاتها فتبنته رسالة هادية تحملها إلى جيل ما يزال ضائعا في التيه يتلمس سبل الخروج منه).

لقد كان اللقاء مع مالك بن نبي حدثا هاما في حياة الأستاذ محمد عدنان سالم فكلاهما مهموم بنهضة الأمة، وإصلاح حالها وتحديث حياتها وضرورة التغيير بوسائل اجتماعية سلمية؛ لهذا وجد كل واحد في صاحبه ضالته فالأستاذ مالك قدم الدراسات الفكرية الاستشرافية لكيفية النهوض وقدم البراهين والقواعد والأفكار المساعدة، ووجد الأستاذ محمد عدنان سالم السند والسلوى في همّه الحضاري ومهمته الإنسانية.

يقول الأستاذ محمد عدنان سالم: (كنت بين جمهوره الذي تحدث إليه في جامعة الخرطوم سنة 1968 -بُعيْد ما دُعي بالنكسة- عن عجز تكديس منتجات الحضارة في بناء الحضارة ولم أملك نفسي وأنا الذي لم أعتد التصفيق في المناسبات أن أجدني مندمجا مع الآلاف التي التهبت أكفها بالتصفيق إثر خاتمته التي قال فيها: (لذلك فإن الأسلحة التي تكدست في أيدينا عام 1967 أبت أن تطيع غير صانعيها).

 

لقد غُيِّبت أفكار مالك بن نبي على يد إسلامي تقليدي ماضَوي مثلما غُيِّبت على

 يد حداثي تحرُّري

يلخص لنا الأستاذ محمد عدنان سالم فكر مالك بن نبي في النقاط التالية: 

 لقد دوّن مالك بن نبي فكره تحت عنوان شامل هو »مشكلات الحضارة «، فلم يكتب ما كتب بوصفه شاعرا أو أديبا أو فيلسوفا إنما كتب بوصفه صاحب قضية مهموما بها، أحاطت به، استمدت حياتها من حياته وحيي هو بها؛ فإذا هو حاضر بيننا كلما ألحت علينا مشكلات الحضارة يصرخ فينا حي على الفلاح حي على النهوض. وقد قامت الدار بإصدار كتبه تحت هذا العنوان: »مشكلات الحضارة« وقد كان لنشر هذه الأعمال وقع مؤثر في نفوس من قرأها.

 إن مالك بن نبي قد مات ولكن فكره لم يمت، فقد ترك فكرا إنسانيا حيا استوعب مسيرة الحضارة الإنسانية الشاملة وأدرك اطراد سفينتها العملاقة المبحرة بالإنسان منذ خطواته الأولى عندما لم يكن شيئا مذكورا.

 رغم حلاوة ورقة مشاعر الأستاذ مالك بن نبي فإن أحدا في مجلسه لم يستطع أن يسرّي عنه هم النهضة أو يخفف من سيطرتها عليه. 

 لم تلق كتب مالك الرواج الذي يستحقه فكر تنويري يحدد اتجاه السير للضائعين ويضيء سبل الخروج للحيارى التائهين، فقد ظلت كتبه حبيسة أيدي بعض النخب الثقافية محجوبة عن الجمهور الذي من شأنه أن يصنع التغيير، محجوبة بأراجيف وأوهام يتولى كبر ترويجها كل من يهمه إطالة أمد نوم المسلم وتعثره وغيابه عن ساحة الفعل والنهوض، فهي تارة فلسفية معقدة تستعصي على الأفهام وهي تارة غربية المصادر لا تستشهد بالنصوص المعتمدة.

 لقد غُيِّبت أفكار مالك على يد إسلامي تقليدي ماضوي تتصاعد ثقته بالأفكار كلما أوغلت في الزمن الماضي ويحجبها عن الفكر الحي الذي نعيش، مثلما غُيّبت على يد حداثي لا يعترف بفكر لا ينهل من معين الفكر الغربي ولا يولي وجهه شطره منطلقا من قطيعة معرفية حاسمة مع تاريخه وثقافته. 

 حان الأوان لفكر مالك التنويري النهضوي الحضاري أن يبلغ مداه، وأن اللحظة التاريخية المواتية لإقلاعه قد حانت وأن وعي الإنسان في عصر العولمة والانفجار المعرفي بات مستعدا لتلقفه.

 تشعر دار الفكر بمسؤولية كبرى إزاء هذه اللحظة التاريخية السانحة وبالحاجة إلى الخروج بفكر مالك بن نبي إلى أيدي الناس العاديين في المجتمع، فلا قوة لكلمة تعيش معزولة في الأبراج لا تمشي بين الناس في الأسواق، ولن تتحول من إطار نظري إلى نطاق الفعل إلا إذا ولجت قيمها في ضمائرهم واستقرت في وجدانهم لتتجسد في سلوكهم وعملهم، وما لم تفعل ذلك ظلت ظاهرة صوتية تبوء بمقت الله.  

ومن أجل ذلك استخدمت دار الفكر كل الوسائل لإيصال هذا الفكر إلى أعمق الشرائح الاجتماعية: 

 تعقد له الندوات والمؤتمرات والمسابقات وتبسطه لتقريبه إلى كل الأفهام.

 تقدمه للأطفال مستخدمة لذلك الوسائط المتعددة وكل تقنيات الاتصال ووسائل الإعلام وقد خطت الدار خطوتها الأولى في تقديم فكر مالك بن نبي لأطفال ما قبل المدرسة أو سن المدرسة الأول عبر أفلام الكرتون التي تستهويهم.

 

إن دار الفكر واثقة من أن الأجيال القادمة ستكون الأجدر بحمل راية فكر مالك بن نبي وإدخاله حيز التطبيق والفعالية، لأنها تترعرع الآن وسط أقصى درجات التحدي الذي تدفع الإنسان إلى الوعي بالذات والتماس طوق النجاة دفاعا عن الحياة، حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا.

 

قصة مجالس دمشق:

في سنة 2005 جمعت دار الفكر المحاضرات التي ألقاها في دمشق ونشرتها تحت عنوان (مجالس دمشق).

هي عبارة عن سلسلة محاضرات سجلها الطلبة والطالبات في أشرطة ونزلوها في ورق ثم دفعوا بها إلى الأستاذ مالك لتنقيحها والمصادقة على ما جاء فيها. أعادها إليهم مهداة لهم مع مقدمة اختتمها بقوله: »وعليه فكتاب (مجالس دمشق) هو في الحقيقة كتاب شبابها المؤمن المتنوّر، ومن ثم ليست هذه المقدمة الوجيزة سوى إهدائه لأصحابه«.

عندما جاء إلى دمشق سألته بنت ذات 8 سنوات من أين نبدأ، فقال لها: إبدئي من حيث بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم، بدأ بفكرة ملأت عليه حياته فتحمّلها وعايش من أجلها العذاب. 

يقول الأستاذ محمد عدنان سالم: »لقد راودتني وأنا أصغي إلى صوت مالك المتهدج من وراء 32 عاما ثم أعمد إلى نشره في »مجالس دمشق« أفكار وتساؤلات: 

 أترى هذه المجالس قد توارت هذه المدة كلها عن الأنظار لتبرز لنا بكل أناقتها ونضارتها في عام الذكرى المئوية الذي نحتفل فيه بمولده (2005-1905)؟

 أم تراها آثرت الانتظار ريثما يستكمل المسلم تجاربه المخفقة لاهثا وراء سراب أفكار القومية والليبرالية والعلمانية والاشتراكية متخذا منها شعارات ظل يدندن بها ويعدو وراءها ويحسب أن سيجد عندها ماء يروي ظمأه حتى إذا بلغها مبحوح الصوت خائر القوى لم يجد عندها شيئا؟ 

 أم إنها لحَظَت مجيئها مواكبة حضارة الإنسان المسلم إبان هبوطها ففضلت التريث خشية الانجراف مع التيار بقوة تأثير الانحدار قبل أن تبلغ به القاع يتخذ منها قاعدة ينطلق منها للانخراط بها في دورة حضارة صاعدة بكل متطلباتها من عمليات التبخير والتقطير المعقدة؟ 

 أم أنها أدركت مجيئها مبكرة في القرن 20 تستشرف قرنا جديدا بل ألفية جديدة تجتاز البشرية فيه منعطفا حادا هو الأخطر في مراحل تطورها؛ تتحول فيه من عصر اقتصاد الصناعة المرتكزة على الأشياء إلى عصر اقتصاد المعرفة المستند إلى الأفكار فانتظرت حتى تستوي بها الطريق بعد حدة المنعطف؟ 

 أم أن مالكا ضن بصوته أن يكون صرخة في واد تذهب بها كلالة المسلم وانعدام فاعليته فأودعها في أشرطة التسجيل ليصدع بها فينا في الوقت الذي لم يعد يحتمل أي تأجيل، مؤملا أن تكون الكلمة قد استعادت طاقتها وقدراتها الفاعلة بعد كل الصدمات العنيفة التي توقع لنا أن نواجهها؟

 

 

بنيتي: ابدئي من حيث بدأ الرسول، بدأ بفكرة ملأت عليه حياته فتحملها وعايش من أجلها العذاب.

جوائز وتكريمات:

حصدت دار الفكر مجموعة من الجوائز منها: 

1. حازت دار الفكر على عدة جوائز لحسن اختيارها لموضوع الكتاب ولجودة طباعته.

2. جائزة أفضل ناشر عربي من وزارة الثقافة المصرية (الهيئة المصرية العامة للكتاب) 2002.

3. جائزة الناشر النموذجي معرض طهران الدولي. 

4. جوائز من مؤسسة التقدم العلمي بالكويت. 

5. جائزة كتاب الجراحة التنظيرية 2000.

6. جائزة كتاب هروبي إلى الحرية 2003.

7. جائزة كتاب الجينوم البشري 2006.

8. جائزة الشارقة لأفضل كتاب عربي (الإسلام ليس إيديولوجيا) 2010.

 

الوظائف التي شغلها الأستاذ محمد عدنان سالم:

- المدير العام لدار الفكر منذ تأسيسها عام 1957.

- رئيس اتحاد الناشرين السوريين 1991 – 2011.

- نائب رئيس اتحاد الناشرين العرب 1995 – 2006.

- رئيس اللجنة العربية لحماية الملكية الفكرية 1995 – 2006.

- رئيس الجمعية السورية للملكية الفكرية 2008-2010.

- رئيس الملتقى العربي لناشري كتب الأطفال 2008-2011.

- عضوًا مراسلًا لمجمع اللغة العربية 2016.

ولم يكن الأستاذ محمد عدنان في خضم ما تنتجه الدار من كتب وقد أصبحت معلما مشهورا في دمشق، يستقطب المثقفين ورجال العلم، وهواة القراءة، ليفكر بحمل القلم والكتابة، مع مقدرته الفكرية، لكن الأحداث الأخيرة التي اضطربت لها الأمة، دفعته إلى الكتابة، فبدأ بكتابه الأول» القراءة أولا«، وتوالت كتبه بعد ذلك:  

1- القراءة أولًا / عام 1993.

2- هموم ناشر عربي / عام 1994.

3- الكتاب العربي وتحديات الثقافة / عام 1996.

4- تسريع القراءة وتنمية الاستيعاب (بالاشتراك) / 1996.

5- الكتاب في الألفية الثالثة لا ورق!! ولا حدود!! / عام 2000.

6- أمريكا والإرهاب / عام 2002 (ترجم للإنجليزية).

7- على خط التماس مع الغرب /عام 2005.

8- القرصنة في عصر اقتصاد المعرفة / عام 2006.

9- وللحج مقاصد.. لو نجتهد لتلبيتها / عام 2007.

10- القدس ملامح جيل يتشكل / عام 2009.

11- حرية النشر وإشكالية الرقابة على الفكر / عام 2011.

12- القدس 2048 (رواية مفتوحة) / عام 2011.

13- آفاق التغيير والعصر الرقمي  / عام 2011.

14- فن النشر وصناعة الكتاب (مرجع أساسي للكتّاب والمحررين والمحققين والناشرين) / عام 2015.

15- نحن والقرآن / عام 2016.

واشترك في تأليف كتب وأشرف عليها، منها:

1- المعجم المفهرس لمعاني القرآن العظيم.

2- تسريع القراءة وتنمية الاستيعاب.

3- معجم تفسير كلمات القرآن.

4- الاستنساخ -جدل العلم والدين والأخلاق-.

5- التفسير الوجيز لمعاني القرآن العزيز.

6- معجم كلمات القرآن العظيم.

7- الموسوعة القرآنية الميسرة.

ولديه كتب في مسوداتها تحتاج إلى قليل عناية، تنتظر الوقت الذي بدأ يضيق على الأستاذ مع امتداد الأيام.

والكتابات التي يكتبها الأستاذ عدنان في مؤلفاته، مع متانة العبارة، ورشاقة الأسلوب، تنطلق من المبادئ التي آمن بها.

 

الواقع العربي، يعاني من ثلاثة عوامل هي مثلث العجز: ‹‹الآبائية والماضوية والنخبوية ›› وكل منها بنى الحواجز والطقوس والتيارات؛ ولابد من اجتياز هذه المعوقات، لنقل العقل العربي إلى فضاء الفكر الحر المبدع المؤمن بالتعددية وحرية الاختلاف.

 

لكل ما تقدم فإن دار الفكر بمديرها العام محمد عدنان سالم، لم تكن يوما مجرد دار نشر، ولم يرد أصحابها أن تكون كذلك، وإنما كانت مؤسسة ثقافية ذات أهداف سبق ذكرها، وقد ترجمت هذه الأهداف إلى عمل واقع، صدّق المبادئ التي قامت عليها الدار، ونمت مع الأيام وتطورت، ولم يثنها عنها أبدا ما مر عليها من أزمات مادية ومعنوية، وما أتى عليها من مغريات في سوق الكتاب.

 

مواقف وشهادات

أ. عمر مسقاوي

كانت دمشق بما خلّف بن نبي من تلاميذ، وأبرزهم الكاتب والمفكر جودت سعيد، البيئة التي وجدت منار انتشارها في دار الفكر، بإشراف وحماس وتأييد من الأستاذ عدنان سالم شخصيا. وقد سهل ذلك من مهمتي في الحفاظ على تراث بن نبي في وجهين، نصت عليهما وصية مالك بن نبي: 

1. مسؤوليتي في نشر أفكاره.

2. وحقوق عائلته بعد وفاته من عائدات كتبه، إذ كانت تشكل مصدرا أساسيا لهم.

وهكذا وجدتُ في دار الفكر والأستاذ عدنان سالم كل ما يؤسس لمرجعية تحقق الأمرين معا، وهكذا بدأنا العمل معا اعتبارا من أول كتاب أعدت طبعه، هو كتاب ميلاد مجتمع.

وها نحن أولاء بعد ما يقرب من ثلاثين عاما من العمل المشترك، نتطلع إلى المدى الذي انتشرت فيه أفكار مالك بن نبي باللغة العربية من منارة دار الفكر.

لقد استطاع الأستاذ عدنان سالم الناشر للكتاب، أن يمنح حركة النشر معناها الحضاري والثقافي. هذا المعنى الذي يتجلى في ذلك التعريف بدور النشر المتداول عالميا، في ثقافة المطبعة وتداول الأفكار في العالم، وهو أن دار النشر هي التي تكسب الكتّاب والمؤلفين ما تريد تناوله من قضايا ومشكلات باعتبارها من حراس الفكر في عالم الأفكار.

وإذا كنت من متابعي جهود الأستاذ عدنان سالم فإنني أرى فيه أكثر من ناشر في المفهوم التجاري، فقد أنشأ مع إصداراته صلة بالقارئ، تحثه على القراءة وتعرّفه بقيمتها في مسار رسالة ثابتة، إنها رسالة تبليغ الثقافة الإسلامية لقارئ أوعى من مؤلف، ومفكر أوسع من مقتبس وناقل.

أ.د. مازن المبارك

لقد رأيت في أخي الأستاذ عدنان واحدا ممن سبق عقله عمله، وغلب طموحه إمكانه، واتسع فكره، واستنار عقله، وتشعبت ثقافته، فإذا هو كلما تقدم به الزمن، وحمل كتفاه ما حملا من ثقل السنين؛ أكثرُ عملاً، وأثقل حِملاً، وأخطر مسؤولية.

فصاحب المكتبة أصبح صاحب مشروع (اقرأ).

والناشر أصبح صاحب رسالة ترصد السرقات الفكرية.

وصاحب الفكر أصبح صاحب دعوة واعية، وصاحب مؤلفات تمتع وتثقّف.

وصاحب الدعوة أصبح صاحب موسم ثقافي؛ يشجع على القراءة ويكافئ عليها، ويشجع الإبداع الأدبي ويخصه بالجوائز، ويقيم المحاضرات والندوات والحوارات ويكرم العلماء.

لقد استطاع بفكره وطموحه وتحرره من حب المال -وقليلٌ من تحرر من حب المال وعِشق الثروة- أن يرقى بمهنة الكتاب والنشر، ليصبح ذا نظرة إصلاحية جادة، فلا ينشر طمعا في الربح، ولكن ينشر ما يراه مع مستشاريه جديرا بالنشر والتوزيع.

ويحدد من الموضوعات لموسم (دار الفكر) الثقافي ما هو جدير بالبحث والمناقشة، وما هو ذو أهمية في الساحة الفكرية المعاصرة.

لقد حمل ..دار الفكر.. خمسين سنة، ومنحها من الجهد وحسن السيرة؛ حتى أصبح اسمها علمًا بين دور النشر في الوطن العربي كله، وشارك في حمل مسؤولية العمل النقابي للناشرين؛ فكان رئيس اتحاد الناشرين في سورية، ونائب رئيس اتحاد الناشرين العرب.

د. محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله

توسع عمل الأستاذ عدنان وشركاؤه آل الزعبي، في أعمال الطباعة والنشر وتسويق الأفكار والثقافات والعلوم، من خلال طباعة المؤلفات ونشرها. غير أن هذا التوسع الناجح لم يشغله عن همومه الإسلامية والدعوية التي تؤرق ذهنه وتزجه في أنشطة فكرية واجتماعية، ومناقشات في أمر الدعوة، والسبيل الأمثل إلى خدمة الإسلام والتعريف به في الأوساط الغربية أو التائهة عنه.

لقد بدا لي في كثير من المناسبات؛ أنه يسخر مؤسسته التجارية (دار الفكر) للرسالة العلمية والثقافية، ومن ثم الدينية، التي يتبناها ويذود عنها. فهو لا يستقبل المواد الفكرية التي تَرِدُ بكثرة إليه من المؤلفين، رغبة في نشرها لهم، من خلال رؤية تجارية لها، وتوقع لمدى رواجها وإقبال الناس إليها؛ وإنما يستقبلها من خلال التعرف على مضامينها، والتأكد من أنها منسجمة مع المبادئ والقيم التي يتبناها ويدعو إليها.

... ولقد أخرج الأستاذ عدنان سالم سلسلة كتب يعالج فيها مشكلات حضارية واجتماعية ذات جذور دينية، لا يتأتى لرجل الأعمال ذي النشاط التجاري والاستثماري، أن يشغل نفسه بها، فضلا أن يعالجها وينتهي إلى إخراج مؤلف فيها.

إذن بوسعي أن أقول: إن الأستاذ عدنان سالم يسخر مؤسسته التجارية للمبادئ والمعتقدات والقيم التي يؤمن بها ويسير عليها، وليس يسخر الأفكار والقيم والثقافات، كما هو شأن كثيرين، لربحه التجاري. ومن حسن الحظ، بل من مظاهر توفيق الله أن شركاءه من آل الزعبي (وهم الأستاذ محمد الزعبي وشقيقه وأولاده) متفقون، ومنسجمون معه على هذا النهج.

أ‌. نزار أباظة

... ينسى الرجل أحيانا كثيرة أننا موظفون عنده، علينا أن نتابع أعمال الدار، فيستغرق في حماسة عفوية؛ يلقي آراءه إلينا، أو يلخص أفكارا سمعها من فلان، أو تعليقا استوقفه من فلانة.. ويثني على هذا في فكره وينكر على ذاك في رأيه.. وهكذا، ويَكْثُرُ في المجلس الأخذ والرد منا ومنه حتى نأتي على الموضوع المثار.

وربما تولدت من تلك الجلسات مشاريع يسندها إلينا؛ نقدمها بأسمائنا الشخصية، أو نشتغلها في الدار لحسابها من خلال دوامنا فيها، وغالبا ما تكون مشاريع لكتب ناجحة تروج في السوق، وتفرض نفسها على القراء؛ ذلك لأنها خرجت ناضجة مدروسة على الراجح..

من هنا كانت دار الفكر مدرسة، مذهبا يستحق الدراسة، بما تقدم من ثقافة رصينة وفكر عميق له مميزاته وشأنه، وليس بدعا أن يمثلها اسمها الذي يضخ بالأفكار.

والأفكار المقبولة عند الأستاذ كثيرة، يفتح من أجلها نوافذ كل الجهات، لا يغلق في وجه أي فكر نافذة، ولا يضع وصاية على القارئ.. لأن القارئ برأيه هو الذي يجب أن يختار.. ثم لا بد للقارئ الواعي أن ينتقي الفكر السليم.

أ‌. هدايت سالم - شقيقة محمد عدنان سالم

بعض النذور باهضة الثمن؛ إنها تأخذ عمرا كاملا لكي تستوفى.. تأخذ كل شيء، بلا مساومة، بلا مفاصلة.. دون أن تترك حيزا ولو صغيرا لأي شيء غير الإيفاء بها ولها...

ليس هناك من دليل أصدق على هذا، من أخي عدنان سالم فلقد كانت -ومازالت- حياته كلها، إيفاء لنذر قديم من هذا النوع من النذور؛ التي لا شيء سوى العمر كله يمكن أن يفيها...

لا أقول هذا على سبيل المجاز اللفظي؛ فذلك النذر كان حقيقة وله قصة لا يعرفها كثيرون، وربما نسيها أيضا أغلب من يعرفها، وهي قصة تعود إلى ما قبل ولادة أخي عدنان، حيث أن والدي رحمه الله الذي تزوج متأخرا في السن، نذر إن رزقه الله بذكر، فإنه سينذره للعلم..

وجاء ولده البكر ذكرا هو عدنان، جاء منذورا للعلم.. كأنما لخص في ذلك النذر قصة حياته. كأنما ذلك النذر هو كلمة السر - المفتاح في كل خطوة سيخطوها لاحقا..

والحقيقة أن والدي ما كان يقصد بالعلم أكثر من العلم الشرعي المباشر، لكن عدنان، أوفى بالنذر بأوسع وأعمق المعاني، دون أن يخرج عن معنى العلم الشرعي؛ الذي كان في ذهن والدي يوم نذر ابنه البكر الذي لم يكن قد ولد بعدُ..

هل كان يمكن لمن جاء إلى هذه الحياة، منذورا للعلم، أن يفعل أكثر مما فعل أخي عدنان؟.. أليست »دار الفكر« التي أسسها -مع رفيق دربه محمد الزعبي- شكلا من أشكال الوفاء بالنذر؟..

أ.د. وهبة مصطفى الزحيلي –رحمه الله

...أدركت في الدار ومديرها صدق العمل، وإخلاص القول، والوفاء بالوعد، والإسهام في التمويل، والإتقان، وحسن اللقاء، وتقدير الأخ لأخيه، وكنت لا أجد الأستاذ عدنان سالم إلا وهو منفعل أو متفاعل أو منهمك في عمله هو وشركاؤه من آل الزعبي، فأحببت دار الفكر وأهلها والعمل معها، ثم عرفت الأستاذ عدنانا في مناسبات عديدة في الإقامة والحضر، وفي السفر والغربة، وفي معارض الكتاب الدولية، فلمست منه الصدق، والنشاط وحب الإنجاز، والإسهام في نهضة الأمة والمجتمع المسلم العربي عن طريق توفير الكتاب المفيد، والمبتكر الجديد، والمتميز بالشمول والأصالة والمعاصرة، وكان لا يغيب عن مركز العمل إلا في ساعات الاعتكاف في» جامع المولوية« بجوار دار الفكر في محطة الحجاز، في أيام رمضان المبارك، ذاكرا الله، ناسكا متعبدا تاليا للقرآن.

ثم تتابعت وسائل الاتصال والنشر في دار الفكر بيني وبينها، وواجهَتُها على الدوام الأستاذ عدنان الذي يبادر إلى عمله في مكتبه في ساعات الصباح المبكر (الساعة السادسة)، فيفتح أبواب الدار قبل مجيء الموظفين بساعتين. 

أكسبه الانكباب على عمله طوال اليوم تأملا وترقبا وتخطيطا سليما، وتنفيذا سريعا، وتبادلا للرأي مع المترددين على الدار، أسفر عن إيجاد صداقة وأخوة مع عدد من كبار الشخصيات، الذين يُكبرونه ويحبون لقاءه، فهو حَسَنُ اللقاء والوداع، وحَسَنُ الاستماع إلى آراء الآخرين، وحَسَنُ التأمل فيما يقال ويدور فيه الحوار، وحَسَنُ توجيه الحوار وإفراغ الآراء في مجال التطبيق والعمل والنشر والتأليف، والتشجيع على ترجمة الرأي الحميد إلى واقع ملموس وتليد...

أ. علي ديب مستو

.. ولقد نقل الأستاذ خبرات طويلة من عمله في مهنة النشر، منذ بداية عام 1957، ومن ثقافته وفكره إلى الاتحاد.. وكذلك من خبرته التي اكتسبها من منصبه حين كان نائبا لرئيس اتحاد الناشرين العرب، في دوراته الأربع، بين عامي (1995 و2006)، ورئيسا للجنة الملكية الفكرية فيه، وفي هذه السنوات توطدت العلاقات أكثر بيني وبين الأستاذ، إذ كنت آنذاك عضوا في الاتحاد منتخبا عن سورية.

وكان الأستاذ مهتما بالثقافة والكتاب طوال وجوده في رئاسة اتحاد الناشرين السوريين؛ منذ كان لجنة تحضيرية إلى نهاية الدورة الانتخابية الأولى منه؛ فعمل على تجسيد الاحتفال باليوم العالمي للكتاب (23 نيسان من كل عام) الذي اعتمدته اليونسكو؛ بما في ذلك طبع النشرات والملصقات، وتوزيع المهام على المهتمين بالثقافة...

وكان طموحه أن يحظى هذا اليوم بالاهتمام كباقي المناسبات؛ مثل عيد الأم، وعيد المعلم، وعيد الشجرة؛ ذلك لأن الكتاب أداة نشر المعرفة، ورقي الأمم، وتنوير المجتمعات، وإغناء مخزونها الثقافي الإنساني في سبيل النهضة والازدهار.

ولحرص الأستاذ على أن يكون لهذا اليوم العالمي أبعاده الصحيحة؛ كان يعمل على أن يكون هذا اليوم مهرجانا ثقافيا عاما، وتظاهرة إعلامية شاملة تشترك فيها جميع الشرائح العمرية في مختلف الأصعدة الاجتماعية والتنظيمات المهنية، والمؤسسات الفردية والعامة... في البيوت والشوارع والمدارس والمعابد.. في أماكن العمل والراحة، في الحدائق والمتنزهات... في وسائط النقل وأماكن الانتظار. المهم أن الأستاذ كان يقترح خطة فعالة لتستأنف أمة اقرأ قراءتها؛ التي رفعتها في سلم الحضارة.

أ. أيمن عبد الرزاق الشوا

ما أروع الأمل وما أجمله من فلسفة، فإذا ساد بين أفراد المجتمع خيمت عليه السكينة وانتشرت الألفة والمحبة بين جنباته، وبه يصبح المجتمع كالبستان المثمر، وينعم في ظله بالأمن والسكينة ويظهر فيه الاهتمام بالعمل الجاد.

هذا جزء من منهج الأستاذ المفكر عدنان، كان يبثه بين أصدقائه ويكرره في أحاديثه، يستاء من الخمول والدعة؛ ويستاء من امتلك قدرة فكرية فكتمها عن أهل النفع. لذلك كانت مبادراته الدائمة على تشجيع الإنسان العربي على الثقة بنفسه، والثقة بأمته وحضارته، وحثه على الإبداع والعطاء، والكشف والابتكار من خلال إحياء التراث العربي الإسلامي الذي يحمل أصولنا الثقافية، وملامحنا الحضارية المميزة. والإحياء الذي يريده هو: إحياء يجعل الماضي دافعا وحاضرا إلى مواجهة الحاضر وصناعة المستقبل. 

أ.د. ماجدة حمود

ابتكرت الدار وسائل لتشجيع القراءة بين الشباب وغيرهم (استبانة القارئ وبطاقة القارئ النهم) تستطلع فيها رأي قارئها وتخلق علاقة تواصلية بينه وبين الدار، تكاد تجعله شريكا في تطوير آلية عمل الدار، ودفعها لإنتاج كتاب أفضل، فيخاطبونه بالاستبانة «اقتراحاتك تساعدنا على تطوير العمل»، ولهذا يطلبون ترتيب الموضوعات حسب أهميتها لديه، ثم يسألونه كيف علِم بالكتاب؟ وما رأيه فيه من حيث  (الموضوع، المستوى، الغلاف، الإبداع، الفكري، الأخطاء المطبعية)؟

وكي تضمن فعالية القارئ وتحمسه لهذه الاستبانة قدمت له عدة حوافز (الحصول على عروض بالكتب الصادرة حديثا، حسم خاص للمشتركين عند الشراء، كما يسجل للمشترك رصيد مقابل إرساله لهذه القسائم يمكن أن يأخذ مقابله كتبا مجانية، ويتم إعلامه بالندوات والمحاضرات والمعارض التي تقيمها الدار)، كما تقدم الدار جائزة سنوية لأكثر القراء نقاطا وأكثرهم قسائم مرسلة.

د. محمد باباعمي

استجابة لقول الله تعالى: «ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه»، وحتى لا أكون من الآثمين، أقول:

من خلال جهودكم المباركة عرفتْ شرائحُ الأمة جميعها خطَّ الوسط، واستوعبت معنى الوسطية، فكان ما تنشره دارنا «دار الفكر»، علامةً فارقة في الطريق، ومعلما بارزا «لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكورا»؛ والحق أنَّ كثيرا من الشباب مدين لك وللدار بالفضل في الاهتداء إلى المسلك السديد، والنجاة من الغلو بجميع أشكاله... ولا يمكن لأحد أن يعدَّ أفضال جهودكم الطيبة، وحسبنا قوله سبحانه: «أحصاه الله ونسوه».