حياة بومزبر
إن بادرة تكريم العلماء التي دأبَ عليها معهد المناهج منذ أعوام هي خدمة يقدّمها للصادقين من أهل العلم اعترافا منه بقدرهم وفضلهم، وجهدهم في العلم وتفانيهم فيه؛ فإن كانت فضائل العلماء كثيرة، فإن أعظمها أنهم لم يكتموا علومهم؛ بل أذاعوها ونشروها، فقيّض لهم الله تعالى من يعرف لهم قدرهم ويكرمهم؛ ولذلك قال سلفنا الصالح: "من خدم المخابر خدمته المنابر".
وليس هذا العرفان لمكانتهم العليّة عند أهل الأرض فحسب، بل عند أهل السماء أيضا رضا ومحبة واستغفارا، بل وحتى الحيتان في جوف الماء. كأنّ الكون كله يحتفي بهم ليكونوا خاصةَ الخلق كلهم؛ وهم الذين ورثوا أصفياء الخلق في أعزّ ميراث وهو العلم.
إنهم خيرة البشر بلا مراء؛ أنوارهم ساطعة وظلالهم ممدودة، فكيف لا نشعل ضوء لمن أشعل الأنوار في العقول والقلوب؟
وهم الذين لا يشقى بهم جليسهم، فمجالسهم مجالس نفع وخير. ولا يشبع المستمع لأحاديثهم، وهي الثمار اليانعة الدانية القطاف، الموفورة غير المنقطعة. ولا تعرف علومهم الحدود والعصبيات، فهي عطايا للبشرية كلها.
وإنّ من أراد توقيرا لله تعالى العليم الخبير، فليوقّر العلماء بقلبه ولسانه ويده. كما جاء مرويا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام: « من وقّر عالما فقد وقّر ربّه »!
نعم، للجزائر علماؤها!
وكانت التظاهرة، وكان العلم المحتفى به غير مرئيا، لكن معانيه كانت مبثوثة في كل شيء، وحبه يغمر القلوب لتعبر عنه الألسن بأجمل العبارات وأفصح الكلمات وأسمى معاني الحب والإجلال.
كان كل شيء في ذلك المكان الفخم الجميل تشريفا وتكريما للعلم وللعالم، حيث بدأ إكرام الضيوف بالحلويات والمشروبات، ثم استقبال على باب قاعة الاحتفال بالورود ليُلقى على مسامعنا أطيب الكلام وأعذبه من أفواه النخبة من الحاضرين وهم المكرمون سابقا في نفس التظاهرة. كان يتخلل ذلك إنشاد بصوت ندي وألحان عذبة، وحديث عن المكرّم ومعه.
كان في نفسي زهو رغم تلك الدموع التي كانت تنهمر مرة بهدوء ومرة بنفَس يكاد ينقطع من شدة الانفعال فقد كان الحديث ثقيلا ومؤثرا خاصة ما كان يجري على لسان الدكتور محمد باباعمي: عن وطنيتنا، عن هويتنا، عن إنسانيتنا...
أما ما كانت تزهو به نفسي وترقص فرحا فهو حلمي الذي كان يتحقق: أن أرى العلم وحامله مبجلا في أرقى مكان، وبأصدق عبارات التبجيل والتوقير.
وقد أحسست أني مكرّمة أيضا؛ بحبي الجم للعلم ومكانته العليَة في حياتي مذ وعيت على قلم وكتاب. وكم عانيت فيما مضى من تغريب العالم ونبذ المتعلم والاستهانة بقيمة الكتاب الذي هو عنوان العلم ووعاؤه.
لقد أشاد الحضور بهذه البادرة الرائعة التي أخذها معهد المناهج على عاتقه، ولابد أنها صدرت عن معاناة شديدة أولا وإحساس بالمسؤولية غزير، ورغبة جامحة في طرد اليأس من القلوب أن ليس للجزائر علماء، ليكون شعار التظاهرة: نعم، للجزائر علماؤها!
عن المكرّم...
كان ضليعا في الرياضيات وذلك كان تخصصه العلمي الذي اعتلى به أرقى منابر العلم في فرنسا وأمريكا. وأتصور كم سعِد في حياته العلمية الحافلة بالنجاحات المتتالية التي كانت تخفف عنه وطأة الغربة، لكن لو سئل ما مقام ذلك التكريم الذي حظي به في تظاهرة وسام العالم الجزائري، عن جدارة واستحقاق، فربما كان جوابه أنه أسعد يوم في حياته. لأن له طعما آخر غير كل ما تذوّق قبلا: إنه تكريم في وطنه من أبناء وطنه.
وهو ابن الأم المتفانية التي ما عرفت ترفا ولا ذاقت نصيبا من رغد العيش، وابن المجاهد الذي تفانى في محاربة العدو الذي جاء يسلب الأرض واللغة والدين. فكانت الأم الموجودة بالقاعة يملؤها الفخر بابنها المكرم في بلده لتكون أكثر استحقاقا منه للوسام كما جاء على لسانه وقد كان لها نصيب منه! وكذلك لروح الأب المتوفى الذي ربما تقلّب في قبره فخرا واعتزازا بولده العائد لا زائرا للأهل ولكن ضيفا كريما يُنزّل بأحسن المنازل – جعل الله قبره روضة من رياض الجنة وأطال الله في عُمر الوالدة-.
وقد شعرنا نحن الحضور أيضا بالفخر، بمن حمل لواء العلم عاليا في أرقى بلاد العلم، بلقب محمد أولا وبجنسية جزائرية ثانيا! وقد اتسع بنا محراب العلم حتى بلغ وكالة "ناسا" وأرقى الجامعات الأمريكية. واتسع قلبه بنا حبا وعرفانا في تلك القاعة التي كانت تفيض بالمعاني الجميلة الجليلة لتملأه فرحا وشعورا بالمسؤولية تجاه وطنه، وهو الذي ختم بقوله: إني أشعر أنكم بهذا الوسام قد حمّـلتموني أمانة.
وهي أمانة نتقاسمها معه جميعا، كل في مخبره. ولكن أيضا نتحمّلها ونحملها معا ضمن جماعة علمية نسعى إلى تكوينها؛ وقد تعلمنا من المكرَّم الدكتور محمد بولنوار زيان قيمة العمل ضمن جماعة علمية وفائدة ذلك لمن يبتغي تحقيق الأهداف العلمية والعملية حقا وصدقا.

Podcast الوسام
محتوى سمعي من انتاج مؤسسة وسام العالم الجزائري, تابعنا على:
google-podcast spotify apple-podcast