مونية الديغوسي

 

خدَم الدين والوطن وقدّم للأمة الكثير ولا يزال، رفع شعار الصلح عاليا؛ "والصلح خير"، يَغرف من معين الكتاب والسنة، وبمنهج الوسطية والاعتدال يَضبط خطوات المسير، بتواضعه الذي تنحني له العقول والقلوب يشعل مصباح الهدى لينير الدرب للآخرين؛ وهو دائم التوتر لحال الأمة... كُرّم بوسام العالم الجزائري في دورته الرابعة لسنة 2010.. احتفاء بعِلمه وعمَله... اليوم، وللحديث عن قيمة العلم، عن معايير العالِم، عن الحلقة المفقودة بين العلم والعمل، ثم عن الجماعة العلمية، وعن وسام العالِم الجزائري الذي سنّه معهد المناهج.. كان لنا لقاء مع الدكتور والعالِم سعيد بويزري؛ "رجل الصلح وخادم الإسلام" نفع الله به وبعلمه الأمة الإسلامية:

- بداية لو نتحدث عن هذه المبادرة التي قام بها معهد المناهج ويكرّم فيها العلم وأهله؛ وأنتم كنتم ولازلتم أهل العلم؟

مؤسسة "وسام العالِم الجزائري" – أُفضّل أن أسميها هكذا مادام قد تم الإعلان عنها وأسأل الله دوام التوفيق والنجاح -، في الحقيقة مبادرة تكريم علماء الجزائر لها عدة مقاصد؛ المقصد الأول هو بيان أن الجزائر ولود؛ تلد باستمرار علماء وعالمات (رجال ونساء) عبر العصور، والتاريخ المشرق والذهبي للجزائر يشهد بذلك، أما المقصد الثاني فهو الكشف عن أهل العلم المغمورين؛ كما قال الدكتور باباعمي حفظه الله: "من لم يُّكرّم في وطنه كيف له أن يكرّم في أوطان أخرى؟"، فالجزائر أمٌّ حنون ومن خلال مؤسسة وسام العالِم الجزائري تبحث عن علمائها وتكرّمهم أحياءً لا أمواتاً؛ فتكريم العلماء الأموات أمر مهم جدا، ولكن انتبه الإخوة الذين يشرفون على هذه المؤسسة - حفظهم الله- إلى أن تكريم العلماء وهم أحياء له عدة دلالات؛ لأن هذا التكريم يدفعهم إلى مزيد من العطاء والإنتاج والعمل؛ أما عن المقصد الثالث فهو في تفجير الطاقات الكامنة في الأمة، فأمتنا تمتلك طاقات كثيرة جدا ومثل هذه المبادرة يقينا ستفجّرها، أخيرا فالمقصد الرابع من خلال هذه اللفتة الكريمة هو تحقيق مبدأ قرآني خالد ألا وهو مبدأ: "التعاون"، وربّنا تعالى يقول: "وتعاونوا على البر والتقوى"، ومن البرّ والتقوى التعاون على خدمة العلم، وعلى خدمة الجزائر والأمة؛ وخدمة الأمة الإسلامية شرف.

- ماهي فسحة الأمل التي نستشفّها من خلال تنظيم مثل هذه المبادرات؟

هي واضحة جدا؛ فالذي كُرّم اليوم هو من العلماء الشباب؛ فالشباب الجزائري قادر على الإبداع، وقادر على العطاء والعمل، هو يستطيع أن يدمّر وطنه كما أراد البعض أن يشيع: أن الشاب الجزائري يائس، لا يحب وطنه، لا يبدع، لا ينتج، ليس قادرا على وضع بصمته... ولكن هذه المبادرة في الحقيقة فتحت لنا فسحة واسعة للأمل؛ ولكن الأمل الذي يدفع إلى العمل.

- يقول الله سبحانه وتعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات"، على ضوء هذه الآية الكريمة لو تحدثونا عن قيمة العلم؟

سأجيب بما قاله الإمام علي بن أبي طالب في موضع المفاضلة بين العلم والمال وكلاهما طيّب، فقال: العلم أفضل من المال، لأنك تحرس المال والعلم يحرسك.

علم العليم وعقل العاقل اختلفا   من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا

- في رأيكم ماهي المعايير التي لمّا تتوفر في شخص نقول عنه أنه عالِم؟

أن يكون محيطا بتخصصه؛ فلابد من الموضوعية، والموضوعية تقتضي ذلك كما هو الأمر مسطّر بمعهد المناهج وبالذات في مؤسسة وسام العالم الجزائري، ثم خدمة العلم وتقديم هذا العلم للغير وللمجتمع؛ فإذا كان العلم حبيس الأدراج، أو حبيس دماغ العالِم ولم يُستثمر ويُقدَّم للمجتمع في شكل أفكار أو مناهج أو مشاريع... إذا لم يكن ذلك العالِم لبنة في صرح الحضارة الإسلامية أقول أنه كتم عِلْمَه، هذا فضلا عن الإثم الذي يتحمّله من الناحية الشرعية، فهو أيضا آثم من الناحية الحضارية وآثم من الناحية الأدبية؛ فهذا معيار آخر طُبّق في معهد المناهج وهو معيار أساس لاستحقاق هذا الوسام.

- حسب ما تقدّمتم به، كأنكم تشيرون إلى حركية الفكر والفعل؛ أن على العالِم أن لا يبقى في مستوى التنظير ويحتفظ بأفكاره، وإنما يصبّها في قلب المجتمع؛ ومنه تعود لتستقي من عالم الأفكار.. وهكذا؟

نعم.. الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم كلما ذكر الإيمان إلا وقرَنَهُ بالعمل الصالح: "الذين آمنوا وعملوا الصالحات"؛ إذن لا يمكن أن نحقق الفعالية إلا بربط منطق الفكرة بمنطق العمل، أن نترجم الأفكار إلى مشاريع وأعمال وهذه هي الفعالية لتتحقق هذه الحركية، فلا تبقى العلوم حبيسة بطون الكتب؛ لا يعيشها المجتمع أو يتمتع بها ولا تنهض بها أمة.

- ماهي رسالتكم للعالِم ولطالب العلم أيضا؟

رسالتي التي أريد أن أقدمها لطالب العلم هي الآتي: القناعة محبوبة؛ ولكنها في العلم مرفوضة، وأقول له ما قاله الشاعر العباسي أبو الطيب المتنبي:

       إذا غامَـــرْتَ في شَرَف مــرُوم       فَــلا تَقنــع بمـا دون النّـجــوم       

       فـطَعْــم الـموت في أمْر حَقيـر     كطَعْم المـوت في أمـرٍ عَظيـم

والرسالة التي أوجهها لعالم الجزائر: هي أن الوسام عبء إضافي؛ يجب أن تستشعر خطورة وثقل هذه المسؤولية والأمانة لِتَعمل، وتنتج، وتبدع أكثر، والله عزوجل قد منحنا وهو واهب المنح طاقات كثيرة جدا، فبالتالي على الإنسان أن يبذل ما في وسعه من أجل خدمة العلم؛ وخدمةُ العلم أيضا شرف.

- كيف نبلّغ للأجيال قيمة العلم من خلال هؤلاء العلماء الذين أفنوا حياتهم وهم "يحفرون" سعيا نحو الحقيقة، المعنى، الخير، خدمة الوطن.. نحو تحقيق رسالة الاستخلاف في الأرض؟

العالِم بالفعل: "يحفر"، وهذا الجهد الذي يقدّمه، الله عزّ وجل هو من سيكافئه عليه: ابتداءً وأثناءً وانتهاءً، ففضلا عن هذا الأجر الذي يناله من ربّ العزة خالق السماوات والأرض؛ هذا العالِم يبرئ ذمته لأن الذي يحمل علماً فهو مسؤول؛ لذلك إذا بذل هذا العلم واستثمره يبرئ ذمته أمام الله، وأمام المجتمع، وأمام الأمة والتاريخ. والجيل الصاعد عليه أن يعرف قدر العلماء ويكون التواصل بين هؤلاء وأولئك؛ هذا الانقطاع والتشرذم والتمزق هو الذي يبعدنا عن صناعة النجاح؛ فهذا الأخير ليتحقق لابد أن يزول الصراع والتصادم بين الأجيال، ونحن سئمنا من الصراع والصدام ومن الانكسارات وهي عديدة، ولكن بودّنا أن نُحوّل حياتنا كلها إلى انتصارات؛ ولا يمكن للانتصار أن يتحقق أيضا إلا إذا كان مستحقا، وربّنا يقول: "وتعاونوا"، فالفرد الواحد لا يصنع شيئا؛ "وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".

- أنتم تشيرون فيما قدّمتم الآن إلى السؤال الموالي: "أن تكون عالماً يعني أن تكون ضمن جماعة علمية"؛ في رأيكم هل الإنجاز وبخاصّة – المعرفي- يكفي لتحصيله عقل واحد؟

أبداً! العقل الواحد مهما كان موسوعيا؛ وبالمناسبة فقد انتهى عهد الموسوعات، ولكن يمكن أن يتكرر في شكل أشخاص، لابد من إدراك هذه المسألة الشرعية الحضارية المهمّة أن العقل الواحد لا يستطيع أن يبني حضارة وأن العقل الواحد لا يستطيع أن يستوعب مختلف معارف وعلوم الدنيا، ولكن السرّ كلٌّ السرّ والنجاح كل النجاح حينما تلتقي العقول وتتلاقح الأفكار وكلٌّ يضم جهده إلى غيره، إن شئت أشبّه هذا الأمر بالوادي: فهو لا يكون دفّاقا دافقاً إلا إذا تعددت مشاربه، إلا إذا كثرت روافده؛ فكلٌّ منا يكون رافدا للآخر لوادٍ كبير إن شاء الله تعالى يسقي أرض الجزائر ويسقي أمة الإسلام.

ـ ما هي العقبات الأساسية التي تحول دون قيام النخبة والمثقف عموما بدوره أحسن قيام؟

1. عقبات موضوعية خارجية:

- بيئة التخلف: المتمثل في التصور السائد عن العلم وعن العمل وعن الإبداع، أن السواد العام عندما يسوده فكر أو نمط تفكيري معين فإنه يفرز بيئة يصعب التفاعل معها إيجابا، والتجاوب فعليا..

- نقص وعي الأسرة: تؤثر في دفع المثقف للعمل فتشجعه أو تثبطه فينحني وينزوي لمفرده، فالأسرة التي تسمح للمرأة والفتاة بارتياد مناسبات التعلم والتثقف الهادف، والأسر التي تصبر لضريبة النشاط الاجتماعي المتنوع، والأسر التي تعزز قيم العلم والتعلم والمواصلة فيه عموما تعكس وعيا وفعلا يؤثر على أداء النخبة فتقوم بالدور وتتقوى بالعلم والعمل..

- العقبات الإدارية: المتمثلة في مختلف العراقيل الإدارية الرسمية، المؤسفة التي تعوق المتميزين والمتفوقين من مختلف المؤسسات والمبدعين في مختلف الفنون، والتي تنعكس في ذلكم الجفاء والتشجيع المعنوي الباهت والبارد لكل نجاح وناجح، أو تتجلى في ذلكم التعقيد والتعسير والتعطيل الذي يجده في طريق مواصلة دراسة أو إنجاز مشروع علمي أو تشجيع مبادرة أو غير ذلك..

2. عقبات ذاتية:

- نقص الإبداع والحركية خارج التخصص: أذكر أن طالبا درس عندي.. لما سافر إلى بلاد أجنبية، اختار تخصصات جديدة أخرى، فلما تساءلت عن ذلك أجاب بأن الأمر فيها متاح للجميع في أن يختار أي تخصص شاء راغب فيه، وأنها تشجع كل إبداع وتقدم يحصل من أيٍّ كان في أي تخصص يحقق تطورا.. ففي وطننا الجزائري الحبيب المطلوب من المثقف والمتخصص ألا يكتفي بتخصصه وينغلق عليه، بل عليه أن يطمح لمزيد التعلم والاطلاع على كل ما يزيده فعالية في واقع مجتمعه ووطنه...

- الحكم المسبق على الذات بالفشل: عزمت من مدة أن أشجع كل راسب في امتحان أو مجال ما -خاصة في البكالوريا- فابدأ بتهنئتهم بفشلهم، وأوضح لهم بأنه عامل نجاح، لأن النجاح ليس صعبا وإنما في المحافظة عليه، فالناجحون ليسوا كذلك إلا إذا ثبتوا عليه، فأنا أعرف أناسا أبكي عندما أتذكرهم، ذلك أنهم يحملون شهادات ويعيشون خارج مجال التغطية، عندما دفنوا طاقاتهم في الروتين اليومي من غير فعالية ولا مساهمة في المحيط الاجتماعي وغيره... تجد أحدهم يستيقظ صباحا يتوجه للوظيفة إلى الرابعة مساء، يجلس مع أولاده يمرح معهم إلى الليل، أو يطالع جريدة، ثم ينام، وهكذا تمر عليه الأيام والشهور والسنون، حتى إذا كبر أبناؤه، جاوزوه وهو في حاله لم يتغير ولم يغير ولم يضف شيئا لأسرته ولا لمجتمعه بله وطنه وأمته.. !!

- الأنانية: وهناك من يسميها بالنرجسية وهي المبالغة في الاهتمام بالذات ورفاهيتها، دون المبالاة بواقع الآخرين وحالهم ومآلهم والتفكير في تقديم الخدمة للغير.. أو تجده في النأي عن المصاعب التي تجرها بعض المواقف من قول الحق والصبر على إيجاده والوقوف مع أهله وضريبتها الاجتماعية.

- كلمة أخيرة؟

أتوجّه بالشكر وبالدعاء للقائمين على معهد المناهج، فجنود الخفاء كثر، ربما لم يظهروا ولكن الله تعالى يعرفهم، أسأل الله أن يثقّل ميزانهم وميزانكم جميعا بالحسنات.