مونية الديغوسي

 

هنالك يذوب ثلج على سفوح الجبال، ويلوح ضوء بين الأفق، يلفّ الدفء كل الفضاء، على باب الحضارة صوت يدقّ.. فتنهض الهمّة من مضجعها، لتصرع العجز وترديه قتيلا، وتدفع به في جُبّ الهوان.. تجلّدي بالصبر يا أرض الجزائر، وكفكفي الدمع فابنك البارّ قادم، جواد العزّ يركب شامخا، وعن خذلانك مازال ثائر، قد صفّق التاريخ معلنا أنه شاهدٌ، يقدّم للحيران ترياق الهدى، يسجّل انتصاراتك في كل حين، بكل فخرٍ يلقي البشائر.

في الحياة مواقف تصنع الرجال، وفيها أيضا رجال يصنعون المواقف.. انطلاقة تفتح للإنسان شرفة التمكين على مصراعيها، ليُبلّغ للعالمين رسالة الإسلام السامية؛ يتدفّق الخير في كل زمان ومكان، وتُورق شجرة الأماني وهي تهمس قائلة: مازالت هناك فرصة.. فلتبادر ولتكن أيها الإنسان من صُنّاعها!

ولأن للعلم وأهله شأن عظيم، ولأنّ "اقرأْ" ستظل شاهدة على قيمته ومكانته الجليلة، وبعدما رفرف "وسام العالم الجزائري" عاليًا وحلّق في ربوع هذا الوطن الحبيب يقطف خيراته، فَرَد جناحيه ليحطّ الرحال بأرض الأوراس ويقول: "نعم، للجزائر علماؤها".

بتراب هذا البلد الحبيب كانت هناك بذرة طيبة رعتها العناية الإلهية واحتضنها دفء العائلة، وأحيطت بسياج العلم والمبادئ والقيم.. ذلك أن ثمة علم، وثمة عمل، وثمة علماء... 

البروفيسور محمد بولنوار العالِم المكرّم بوسام العالِم، خادم العلم وناقل الخير من مكان إلى مكان.. ومن الذين سخّرهم المولى تعالى لخدمة المسلمين والإسلام.. وبمثل هؤلاء الرجال تتزيّن من جديد أرض الجزائر، لا بل أرض الإسلام جيلا بعد جيل؛ بِبساط كان قد فرشه السلف الصالح لهذه الأمة الوسط.

وبأخلاق عالية نجد المحتفى به يؤْثر والدته الكريمة على نفسه؛ معترفا بفضلها، سعيد لسعادتها، مؤكّدا على أحقيتها لتلك المرتبة المشرّفة ويقول بهذا الصدد: "لقد سعدت كثيرا لما طَلبتُ أن يُعطى الوسام لوالدتي وتحقق لي ذلك.. فهناك الكثير من الأمور نعملها ونحصل فيها على مقابل؛ لكن أحيانا لما يأخذه شخص آخر ونتطلّع إلى وجهه نشعر بفرحة أكبر ونحسّ برضى وسعادة لا توصف..".

على إثر تكريمه بوسام العالم الجزائري، وتتويجه على رأس الطبعة الخامسة لهذا الحدث العلمي الهام كان لنا لقاء مع البروفيسور بولنوار وذويه وبعض الحاضرين بهذه المناسبة، حيث عبّر الجميع عن سعادتهم بالاحتفاء بالعلم وثمّنوا هذه الوثبة الحضارية المباركة:

الوالدة الكريمة: ابني منذ الصغر كانت لديه شخصية متفرّدة ومختلفة، يحب أن يكون له رأي مستقل، ذكي، مجتهد، صبور، أمين، يرضى بالقليل ولا تهمّه المظاهر... وقد كان شغوفا بطلب العلم، ولم يرض إلا بالتميز حتى حصّل هذه المرتبة والحمد لله، وهو لم ينس إخوته بل مدّ لهم يد العون وساعدهم، كما كان بالنسبة لهم القدوة والمثل، حيث حذوا حذوه ووصلوا إلى أعلى المراتب.. أتمنى من الله تعالى أن يزيده من فضله ويحقق كل أمانيه، وأن يعين أبناء الأمة الإسلامية ويجعلهم شبابًا صالحا، ويعلي شأنهم، وأشكر القائمين على مبادرة وسام العالم الجزائري، حفظهم الله ووفقهم وجزاهم خير الجزاء.

أخو المكرّم: أشكر القائمين على معهد المناهج لتنظيمهم لهذه المبادرة القيّمة، وأحمد الله تعالى أنه يجري تكريم علماء أحياء خدموا الوطن لأن ما ألفناه أن يُكرّم العالِم بعد موته، وأعتقد أن اختيار أخي كعالم من علماء الجزائر، وهم كثر، ذلك سيزيده مسؤولية كما بيّن في كلمته؛ فهو تكليف وليس تشريف فهو الآن يشعر أن المهمة أصبحت أكثر صعوبة من ذي قبل. أسأل الله عزّ وجل أن يوفق كل منظمي هذا الحدث، وأن يرزق أخي الإخلاص فهو أهم شيء، وإن شاء الله سيعجّ هذا البلد بالعلماء ويجعلهم المولى تعالى سببا للإصلاح والتغيير للأحسن، فمصلحة الجزائر قبل كل شيء وهي لن ترتفع إلا بسواعد أبنائها البررة.

صديق المكرّم، د. معاش إسماعيل: لقد كان محمد بولنوار يقول دوما أنني قدوته؛ وبدون تواضع زائف ربما كنت كذلك ذات يوم، ولكنه وبما حباه الله تعالى أعتقد أن هذا الرجل قد خُلق للرياضيات، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول "كلٌّ ميسّر لما خلق له"، وقد كنت بجامعة باريس أحضّر للدكتوراه وأنا أكبره بعشر سنوات، وكان له لقاء مع "روجيه تمّام"، فقلت له بأنه من الممكن أن لا يستفيد كثيرا معه ولا يحصّل الشهادة، فأخبرني أنه لا يبحث معه عن الشهادة، لقد كان له مع صغر سنّه بعد نظر، وأنا لم أستطع أن أرى ما رآه هو، ونحن للأسف نجد أيضا معظم الطلبة عندنا همّهم الوحيد هو الشهادة. 

بخصوص التكريم الذي حظي به اليوم، أقول أنني قد تفاجأت أيما مفاجأة من هذا العمل الجبّار من فتية آمنوا بما هم مقبلون عليه، فبارك الله فيهم، وأدعو الجميع لمدّ يد المساعدة لمثل هذه المبادرات.

د. إبراهيم بحاز: أولا نشكر الله تعالى على التوفيق الذي كُلّلت به كل طبعات وسام العالم الجزائري، ثم الشكر للذين جاهدوا - جنود الخفاء- فقد عملوا ليل نهار ونظّموا وسدّدوا وقاربوا وأعطوا للطبعة الخامسة هذا الرونق، وهذا الاكتشاف الجديد للدكتور محمد بولنوار زيان، إذن هي طبعة متميزة بكل المقاييس وأداء متميز من خلال (الندوة، التنشيط، الإنشاد،...). نحن نؤمن بأن الجزائر قد أعطت، وسوف تعطي، وتبقى تعطي، وتُلقّن مثلما لقّنت دروسا في الجهاد وحب الوطن، أيضا هي مؤهلة لكي تكون رائدة إن شاء الله تعالى في تلقين العلم والمعرفة للآخرين وللعالمين.

د. مصطفى بن حمّوش، متخصص في الهندسة المعمارية (جامعة البحرين): كنت متابعا عن بعد للنشاط المميز لمعهد المناهج عن طريق موقع فييكوس، وقد أضاف المعهد بتكريمه للعالم شيئا نفتقده للأسف بالجزائر؛ فكثير من العقول الجزائرية حاليا تهاجر حيث تجد المناخ العلمي المناسب، فالمعهد يقدّم خدمة لإعادة الاعتبار للعالِم وهو أقل شيء، إيقافا للنزيف، وهو كذلك ردّ على الشبهات القائلة بأن الجزائر خالية من العلماء، فهي خدمة جليلة للوطن تُظهر هذه المادة الخام للجميع، كما أن ذلك من شأنه أن يعيد الثقة للشباب، ففيما تُقدّم لهم أمثلة عن اللاعبين أو الفنانين،... نجد هذا العالِم مغيّبا وغير معروف، والكثير من العلماء أيضا في ميادين: الطب، الفيزياء، الرياضيات... نحن لا نعرفهم، إذن هي فرصة ذهبية نعطي من خلالها للشباب نموذجا، وأرى أيضا أن الكثير من الناس يعتبرون أن العالِم هو الإنسان الفقيه، لكن من خلال هذه اللفتة الطيبة نرى بوضوح أن المجال واسع ويشمل مختلف الميادين، أما بالنسبة للعالم المكرم وبصفتي أخذت باكالوريا رياضيات؛ فأنا حقيقة أحسّ بأنني فرد من عائلته. 

أ. مبارك بوبلال (المشرف على مؤسسة وسام العالِم الجزائري): من خلال الحدث نرى أن هناك نقلة نوعية وهو ما يدل على أن الانطلاقة كانت على أسس صحيحة، فبداية من الأدب، إلى الكوسمولوجيا، فالفلسفة،.. نحن اليوم ولله الحمد بين أحضان الرياضيات، وهي بادرة خير سخّر المولى تعالى من خلالها هؤلاء الشباب لمهمة نبيلة وذلك "فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"، فلابد أن النوايا كانت صادقة وكانت البذرة صالحة ثم حولها التفّ هذا الجمع الكريم الذي أتى من كل مكان.

وقد آن الأوان كما بيّن الدكتور محمد بابا عمي لتكون لهذه التظاهرة استقلالية فتجمع بين العلماء المكرّمين، وسأسعى بحول الله للتنسيق بينهم وبين شباب المناهج الذين يجاهدون وراء الستار، فهو ليس عملا فرديا بل جماعيا؛ ولن أستطيع أن أقوم بهذه المهمة التي كسروا ظهري بها إلا بتعاون الجميع بحول الله، فهي مسؤولية أتمنى أن نكون أهلا لها، لقوله تعالى: "وكذلك جعناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا". فاللهم اجعلنا أمة شهادة. 

 

الطالب محمد بكوش (جامعة خروبة): وسام العالم الجزائري تجربة رائدة جدا أشكر القائمين عليها، وأقول بأن الجزائر بحاجة لمثل هذه اللفتات وهي معطاءة وتمتلك من العلماء الذين قدّموا الكثير، لكن الإعلام للأسف لم يظهرهم، فدور الإعلام مهم جدا وهو كما يقال السلطة الرابعة، أتمنى أن يقدم الإعلام ما يجب تقديمه.

أ. حريزي الناصر مدير مدرسة الفتح (بريان- غرداية): هي مناسبة طيبة في هذا اليوم الأغر يوم عاشوراء، ويوم تكريم العلم والعلماء كما كنا نعيش في هذه القاعة، في الحقيقة اللسان يعجز عن التعبير والحفل كان يعبّر عن نفسه وكذا مداخلات العلماء، فالمحتفل به كان نموذجا للرجال وأبناء الجزائر العامرة قلوبهم بالإرادة وحب الوطن، فهُم بهذه الصفات سيحققون المعجزات، نسأل الله تعالى أن تدوم هذه المناسبات، وقد قُلتُ لفتية معهد المناهج إن كان هناك من هو أهل للتكريم فأنتم أحق به لأنكم وضعتم هذه السُّنة الحميدة لتكريم العلماء، نسأله تعالى أن يوفقهم وكل الساعين لخير البلاد والعباد في هذا الوطن العزيز وفي هذه المناسبة الطيبة "الذكرى الخمسون لاستقلال الجزائر"، وأسأل المولى تعالى أن يحفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين.

د. محمد زيان بولنوار: أنا سعيد جدا بهذه المبادرة وتمنيت لو أن الجميع يعرفها، خاصة الجزائريين في ديار الغربة ليعلموا أن الأم تنادي أبناءها، من جهة أخرى قد شعرت من خلال هذا التكريم أنها رسالة قُدّمت لي لأوصلها، وأن هذا الوسام هو أمانة؛ أتمنى من الله تعالى أن يوفّقني لأعمل وأنجز في بلدي لأردّ ولو جزءا بسيطا مما قدّمه لي، فاللذة الحقيقية هي لمّا نوصل ما تعلمناه للأجيال. 

بالنسبة لمعهد المناهج فقد قدّم لنا درسا وكان مبادرا للخير، لقد بيّن أنه يمكننا أن نفعل الكثير، فلا يجب أن ننتظر الآخرين بل على كل واحد منا أن يبدأ، ومن المكان الذي هو فيه فهو يستطيع المساهمة، أما النصيحة التي أقدمها من هذا المقام، وقد قدّمتها لأختي التي انتقلت للعيش في فرنسا يوما ما ولم تستطع التأقلم مع الوضع في البداية؛ كنت أنصحها بأن تنجز كل يوم ولو شيئا واحدا إيجابيا وتذكّر به نفسها، لتكون في غضون سنة قد قدّمت 365 إنجازًا. فلو يضع الإنسان كل يوم حجرا سيأتي اليوم الذي يُتمّ فيه بناء البيت.

وبخصوص موضوع الجماعة العلمية أنصح بأن تكون هناك ثقة بين العلماء لتقوى هذه الجماعة وتتوطّد العلاقة بين أفرادها، كما أقول أن على العالِم حين يدخل غمار البحث أن ينسى نفسه، ويذكّرها بأن هناك مهمة جماعية وهدف عليه الوصول إليه، وأن كل ذلك ليس ملكا له بل هو ملك للإنسانية كلها.