بسم الله الرحمن الرحيم
إخوة الإيمان, السلام عليكم و رحمته تعالى وبركاته, وبعد:
لعل أجمل وأجل ما أبدأ به كلمتي هذه هو قوله تعالى: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ فالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه الحمد لله حتى الرضى وقبل الرضى وبعد الرضى ﴿و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها , إن الله لغفور رحيم﴾.
أعزائي إن من أحرج اللحظات التي تمر على الأنسان في حياته أن يفقد الكلمات التي تعبر عن مشاعره ووجدانه في وقت يكون فيه أحوج ما يكون إلى فصاحته وبيانه.
حقا إنها لحظات روحانية بسمو معانيها إخوانية حميمية بجوها وبمن فيها فاعذروني إن لم أجد الكلمات التي أعبر بها عن شكري لكم ولو اجتهدت، والعبارات التي تحمل مشاعري الجياشة نحوكم مهما حاولتُ.
فإن الحب سر من أسرار الله يتأبى على الفصاحة والبيان وشحنة كهربائية بين الأرواح المجندة لا تحملها الكلمات ولا ترف بها الأوزان.
لذا فإني سأترك كل ذلك لقلوبكم المخلصة الوفية فهي أقوى على تبليغها واحتضانها وأرق على النفاذ و احتوائها.
غير أني بهذه المناسبة العزيزة على نفسي لابد أن تعود بي الذكرى إلى ذلك الموكب الجليل الذي حملني إليكم قبل سبعين سنة أسأل الله بركتها و هداها وحسن ختامها ومنتهاها، أتلفت الآن إلى ذلك الموكب و هو يتهادى بما فيه و بمن فيه, لأرى في صدارته والدي العزيزين أبي صالح بن سليمان (بربوشة) أو عم صالح كما يعرفه الناس أو بابا صالح كما يفضل أن يناديه أبناؤه
و أحفاده و عائلته فأراه مبتسما راضيا لأن الله استجاب دعوته حين دعاه قائلا "اللهم إني نذرت إبني محمدا للعلم فوفقه و أعنه" وأرى إلى جانبه أمي الحنون بوجهها السمح و نظرتها الحانية وهي تحتضنني ذارفة دموعها عند كل سفر هامسة في أذني: "تَحْويسْتَكْ فالبُلْدَانْ رَيَاسَة ومعرفْتكْ للرجال كنوزْ معرفتك للناس انْجاسةَ اشتاتْ شابة و اللاعجوز.
ولا أكاد أشبعُ من رؤية والديَّ حتى ألمح إلى جانبهما أخوي الشقيقين موسى و سليمان وأتذكر صرامة موسى وحكمة سليمان هذا الذي كان سندا قويا وشقيقا محبا وفيا فقد كان لأولادي وأهلي أبا حنونا وعما كريما أيام دراستي بمعهد الحياة و قبل سفري إلى القاهرة طالبا، وأثناء دراستي بها كان يتحمل مصاريفي ومصاريف أبنائي وزوجتي دون تذمّر أو شكوى, إلى أن توفاه الله رحمة الله عليه سنة(1977).
وغير بعيد عن والدي و أخوي أتأمل مشايخي الأجلاء و أساتذي الكرام هؤلاه الذين ربوني قبل أن يعلموني وهذبوني قبل أن يُسْلِمُوني: الإمام العلامة الشيخ بيوض, والصحفي الوطني أبا اليقظان والأستاذ المربي الشيخ عدون و الأديب المؤرخ محمد علي دبوز و الشيخ الوقور أبا إسحاق اطفيش وشيخ الشاب الشيخ بكلي عبد الرحمان[1] , والأكاديمي الملتزم الخلوق دكتور شكري فيصل والخفيف الظريف الحاج إبراهيم القرادي. وغيرهم ممن لهم علي حق التربية والتعليم و النقد و التقويم.
و لا أكاد أشبع من التأمل في تلك الوجوه النيرة من الأساتذة الكبار جزائريين وسوريين ومصريين وعمانيين حتى رأيت من بين الجموع يداً رقيقةً تلوح لي و تحاول الاقتراب مني وكادت يغطيها الزحام فلا تراها عيني لولا صوتها العذب الندي الذي نبهني وأثاراني إنها زوجتي أم البنين عائشة أمد الله في أنفاسها ها هي ذي وقد احمر وجهها غضبا أو غيرةً لست أدري وهي تقول لي"آهْ لولاي ماتفرغت لبحث أو تأليف ولا تابعت تصحيحا أو تصفيف؟ أنسيت ماتحملْتُه من مرارة الفراق وبُعْدِ الدار أيام كنت طالبا في القاهرة أربع سنوات لا تزورنا فيها إلا شهرين وليس في حقائبك سوى الكتب و الأوراق وليس ما يزين النساء في الصدر واليدين؟ أنسيت أولئك العشرة الذي ربّيتهم لك على عيني هل كنت تستطيع أن تتحمل وحدك همّ تربيتهم ونشأتهم لولا مساعدتي لك؟! بل لولا صبري القوي وأمانتي الوفيّة؟ أطرقت رأسي عندها خجلا وقلت: بلى صدقت بل قصرت، ولست لذلك ناكرا أو جاحدا ولكني أذكرك بما عوّضك الله من رضاه ورضى والديّ ووالديْك، هل نسيت دعاءَ أمي لك وهي تودعنا الوداع الأخير.... جعلك الله أم أولادي كعائشة أم المؤمنين منزلة ومثوبة، وسعادة و حظوة.
وما كدت أجمع أنفاسي من تلك اللحظات الحرجة اضطرابا وارتباكا حتى رأيت ثلّة من أصدقائي الأعزاء الأوفياء وهم فيما بينهم يتهامسون ويتضاحكون، لست أدري من موقفي أو مما يسمعون، وأتبين من بينهم السري الماجد أحمد جهلان والشيخ شريفي بلحاج، والخطاط المبدع الدكتور محمد سعيد شريفي، والرسام إبراهيم مردوخ، والشيخ قاسم بكوش (شفاه الله)[2] والشيخ الحاج عشور أحمد المؤذن حفظه الله[3]، وأتذكر من خلال رؤيتهم معهدا عزيزاً على نفسي هو (معهد الحياة الثانوي) بمشايخه وطلاّبه، ونجاحاته وأمجاده، وجمعياته الأدبية ورحلاته الكشفية، تلك التي تذكرني بأياديها البيضاء علي كلما كتبت مقالا أو قصيدة أو نشرت بحثا أو كتابا أو ألقيت درسا أو محاضرة. إن تلك السنين في معهد الحياة هي التي حولت الحياة أمامنا نحن أبناء المعهد –بفضل الله-قِطعاً من الرياض السُّندسية، وغرست في نفوسنا القيم والأخلاق المحمدية.
وطوال مسيرتي العلمية التي بدأت بالقرارة إلى القاهرة، إلى الجزائر، إلى عمان، أُقبِّلُ اليدَ المخلصة الوفية التي توالت عليَّ بالمنح السخية هي يد عشيرة البلات ممثِّلةً في شيْخَيْها المرموقيْن الحكيم لقمان، وناصر بوحجام عيسى. أولئك الذين كان لهم فضل كبيرٌ عليَّ يوم كنتُ أتطلَّع إلى استكمال دراستي الجامعية وليس بين يدي منحة أو شهادة رسمية، فأوصلوني إلى مقري بالقاهرة مُكرَّماً عبر البقاع المقدسة بعد جولة اطلعت فيها على لبنان، وسوريا، والأردن، ودعوت داخل الكعبة، وبجانب قبة الصخرة.
ولن أنسى فضل أستاذي الكريم الشيخ محمد علي دبوز الذي وقف إلى جانبي متابعاً ملف الاعتراف بشهادة المعهد إلى أن اعترفت به-ولأول مرة- الجامعات المصرية وأجدني والحالة تلك ممن انطبق عليه المثل. قال يامَّا حجّيتْ، قالت أسلامْت الرجّال اللي ادَّاوْك ورَدُّوكْ.
ولست أنسى أيام الطلب خالي المرحوم أوبالة إبراهيم. الذي كان يشجعني بالكلمات الطيبة وأحيانا بالاكراميات النقدية، ويقف إلى جانبي في اللحظات العَصِيبَة.
ومازلت محافظا باعتزاز كبير على رسائل الحكيم لقمان التي كان يُواليني بها منذ أن استظهرت القرآن وفي عمري خمس عشرة سنة إلى أن تخرّجت بليسانس من جامعة القاهرة، وكانت رسائله لنا نحن الطلبة المغتربين نعم المرشد المعين، والناصح الأمين.
ولن أنسى زملائي في معهد اللغة والأدب العربي بالجامعة المركزية من أساتذة كرام تعلمت منم المنهجية في البحث والتفكير، كما تعلَّمتُ من آخرين بسيرتهم وتوجهاتهم كيف أميِّزُ الأحمر بين الألوان فأتحشاه منها، وكانو يعرفون هذه الحساسية فيّ فآذاني بعضهم، فعطلوا ترقيتي و حقوقي ، لا لشيء إلا لاتهامي بعشقي للون الأخضر، وكنت فخورا بهذا الوصف معتزّا به اعتزازي بصداقة زملائي و أصدقائي الأوفياء الأتقياء من امثال الدُّكتور سعد الله وعبد الرزاق قسوم، وصديقي العزيز وأخي الذي لم تلده أمي محمد الهادي الحسني والدكتور عبد الله ركيبي أستاذي المشرف ومحمد بن سمينة، وعمر بن قبينة، و غيرهم من زملائي بالمعهد جازاهم الله عنِّي بكل خير.
هذه المفارقات جعلتني أتذكر باعتزاز تلك السنوات العشر التي قضيتها في سلطنة عمان بمعهد العلوم الشرعية حيث وجدت الأمن والأمان والصداقة والإخوان، واستفدت بفضل الله وكرمه ماديا ومعنويا وعوّض الله لي ما حُرِمْتُ منه في وطني من مرتّب محترم، وقرّبتني الغربة من أبنائي الطلبة الجزائريين والعمانيين، فأصبح منهم الباحثون الأكاديميون والأساتذة الموموقون، والقضاة العادلون، وكلهم أوفياء صادقون.
ذلكم هو الموكب الجليل الذي لا أحسبني استطعت وصفه ووفّيْتُ حقَّه فما أنا متذكر بعد كل هذه السنوات كل ما في أعماقه وحواشيه غير أني سأظل ممتّنا لكل من ذكرتُ ومن نسيتُ مادام فيّ قلب خافق ولسان ناطق.
ولا أجدني والمجال ليس مجال تفصيل أو تحليل إلا أن أرفع أكف الضراعة وأنتم أعزائي معي سائلا الله أن يرحم الذين انتقلوا إلى رحمته، وأن يطيل عمر الذين مازالوا يتنعمون بأفياء نعمته آمين ... والحمد لله رب العالمين.

Podcast الوسام
محتوى سمعي من انتاج مؤسسة وسام العالم الجزائري, تابعنا على:
google-podcast spotify apple-podcast