وفي كلمة الوسام التي قدّمها فضيلة الدكتور محمد بابا عمي: ذكر بأن بعض الإخوة اقترحوا تسمية الوسام بـ: "نوبل الجزائر"، لكن "نوبل" تحمل معنى الشهرة، المال، إضافة إلى العلم، -مع احترامنا لنوبل- فاقترح د. بابا عمي بدلاً من ذلك: "نبل الجزائر" الذي حقيقته التآخي بيننا، وأصله عهد بيننا وأمتنا، أن نخدمها بأرواحنا، وبعلمنا ومالنا... ألاّ نقايضها الأجر أو الأجرة، وأن نكون أوفياء لهذه الأم الرؤوم.. هذا هو نبل الجزائر.

والميثاق الذي ينبغي أن نوثّقه بيننا هو ميثاق الحب والأخوة، حتى نكون حلقة في الحضارة متواصلة لا قطع فيها.. " أن نحبَّ الحُبّ لأنه ينبت، وأن نبغض البغض لأنه مثل الجراد يقتل كل شيء"، ومن بنود ذلك الميثاق أيضًا أن نطلّق التشاؤم والبكاء على الأطلال، والتشدق بالكلمات الكبيرة، سبًّا لهذه الأرض أو لهذا الوطن وتاريخه، وأن نعانق التفاؤل ونقول: "الفجر والغد بيد الله، هو لنا، شاء من شاء، وأبى من أبى".

والرّسالة التي يريد هذا الوسام تمريرها هي أن العلم ليس له عُمُرٌ محدّد، ولا اختصاص معيّن، ثم من خلال الرياضيات يمرّر الوسام رسالةً؛ مفادها أنه لم يكن ابن خلدون أو الشاطبي أو أي عالم من العلماء الكبار، لم يكونوا علماء إلا لأنهم كانوا يمارسون المنطق والفهم الدقيق، فلا جزُر بين العلوم والاختصاصات.

بعد خمس سنين من رحلة الوسام آن الأوان – كما قال د. بابا عمي - ليكون وسام العالم الجزائري مؤسسةً، ينخرط فيها الجميع ليكون حدثًا فارقًا في تاريخ الأمة، يبيّض في ساعة ما يسوّده الكثير ممن يكتب عن الوطن سبًّا أو تنقيصًا أو تعييرًا أو تتبعًا للنقائص فقط. هيئة هذه المؤسسة العلمية هي هيئة المُكرَّمين، وسيكون على رأسها الأستاذ الباحث: مبارك بوبلال بإذن الله تعالى، وقد حصل على الماجستير في الاقتصاد الإسلامي من معهد المناهج.  

وبعد كلمة الوسام المشحونة بالمعاني، والمثقلة بالرسائل الموجهة إلينا جميعا، صعد إلى منصة الحفل؛ العالم الجزائري: "محمد بولنوار زيّان" ليُتوّج بالتكريم الرسمي للوسام من قبل السادة العلماء وبعض الشخصيات المدعوّة وهم: د. عبد الرزاق قسوم، الشيخ بلحاج شريفي، الأستاذ محمد الهادي الحسني، د. سعيد بويزري، د. محمد زكرياء زبدة، إضافة إلى أ. حميد أورجون ممثل مؤسسة حراء بالجزائر، والقنصل الماليزي، والقائمة بالأعمال في السفارة الماليزية، وقبل كل هؤلاء الأجلاّء كان الحظ الأوفر من هذا التكريم لوالدة المكرّم: "باهية بوخالفة" التي سلّمت بيديها هذا الوسام لابنها البار "محمد"، فهنيئًا لها.

وكان للسادة العلماء نصيب في التعبير عن انطباعاتهم حول هذا التكريم الذي عاشوه بقلوبهم وعقولهم، فكانت الكلمة الأولى للدكتور عبد الرزاق قسوم الذي اعتبر ميزة الوسام أنه شمولي لا إقليم له، ولا لون له، ولا جهة، بل يشمل الكفاءات والاختصاصات حيثما كانت، ويبحث عن الملكات والمواهب أيًّا كان تخصّصها، ومن معاني هذا الوسام أن العلوم مهما كانت فروعها ينبغي أن تكون نابتة من عمق هذا الوطن، من عقيدته وثقافته، وختم توجيهه بالدعاء لكل القائمين على الوسام بالتوفيق والسداد، محفزا لهم للتقدم إلى الأمام نحو الرفع من شأن العلم والعلماء.

ثم كانت الكلمة للشيخ بلحاج بن عدون شريفي الذي اعتبر هذه الاحتفالية عبادة يُتقرب بها إلى الله تعالى لأنها تكريم لما كرّم الله ورفع من شأنه وهو العلم، ثم حيّى الشيخ فضيلة د. محمد زيّان على وفائه لوطنه بعودته إليه، وهنّأه على ما يقدّمه بعلمه من خدمة لأبناء بلده وأمته، وهو ما نريده من كل علمائنا أن يغترفوا العلم من كل حدب وصوب، ثم يعودوا إلى وطنهم لينفعوه بعلومهم وخبرتهم. من غير أن ينسى الشيخ الدعاء بالقبول لجهاد العلم وتكريم أهله.

بعده اعتلى المنصة الأستاذ محمد الهادي الحسني ليدليَ بدلوه الذي لا يغيب في مثل هذه المناسبات، فبدأ حديثه بكلمة للشيخ بيوض –رحمه الله- قال فيها: "إن الحساب من علوم القرآن" فالرياضيات وكل العلوم الأخرى موصِلة إلى بارئها تعالى، وهذه الفرصة جاءت ليتحقق فيها كلام الشاعر رمضان حمود –رحمه الله- حين قال: "إن التاريخ يحيي الأمم، وإذا شربته في كأس غيرها قتلها"، وختم كلمته بالدعاء لهؤلاء الفتية القائمين على معهد المناهج وعلى تكريم علماء الجزائر، بأن يزيدهم الله علما وإيمانًا إذ أشعلوا شمعةً وسط بيئة صعبة.

وكان آخر المتدخلين هو د. سعيد بويزري الذي وجّه للحضور ثلاثة رسائل، الأولى دعا فيه الله أن يجعل معهد المناهج معهدا شامخا وقدوة يحتذى بها في كل أرجاء العالم الإسلامي. وفي الثانية بيّن حاجة العالِم إلى الدعم والتأييد، وهذا الحضور هو تأييد للمكرَّم وللعلم ولبلدنا الحبيب الجزائر. أما الرسالة الثالثة فكانت موجَّهة للمكرَّم بدعوته إلى أن ينشر علمه باللغة العربية. نسأل الله أن يوفّقه لذلك.

وقد أتحف د. مصطفى باجو المحفل الكريم بقصيدة عصماء؛ آيةً في الذوق الأدبي الرفيع، والحس الإيماني المرهف حول المحتفى به وقيمة ما كرّمه الله به، كان عنوانها "وسام الأنوار"، كما تخلل هذا الحفل العلمي الأدبي وَصْلات فنية ساحرة من المنشد الأستاذ يوسف سلطاني شنّف بها الأسماع وأمتع بها الوجدان، تغنّى فيها بالجزائر وبفلسطين، كما حفّز فيها الألسن والجنان على الصلاة على خير الأنام؛ صلى الله عليه وسلم. 

وكان مسك ختام الوسام انطباع أخير من المُكرّم قال فيه: (الوسام أمانة سلّمته الجزائر لي، أسأل الله أن يقدّرني بأن أكون أهلاً له، وهو مفتاح أعطيتموني إيّاه لأعمل وأجتهد أكثر إن شاء الله تعالى)، وهكذا برحمات وبركات من العليّ القدير.. كانت نهاية هذا الحفل الطيّب، إذ انصرفت الجُموع من المحفل مشحونةً بشحنات إيمانية علمية، نسأله تعالى أن يجعلها غيثًا نافعًا يسقي البلاد والعباد.. آمين، آمين.