صالح حمدي
نعم، للجزائر علماؤها.. هكذا كانت رسالة الوسام لهذه السنة... في قاعة المؤتمرات بفندق الماركير بالجزائر، اجتمعت الوجوه الخيّرة من كل الآفاق، صبيحة يوم مبارك من أيام الله "عاشوراء" 10 محرم 1434هـ / 24 نوفمبر 2012م، قدِمت مستبشرةً بعالِمٍ جزائري جديد يُكرَّم هذه السنة يكون قدوة يُحتذى بها، ومنارةً يستنار بها.. تجربة الوسام في طبعته الخامسة هي اجتهاد في الرفع من مكانة العلم، وإحلال العلماء مراتبهم التي هم جديرون بها في ريادة وطنهم وأمتهم.
ما ميّز الحفل الحضور المتميز من مختلف الشرائح، من علماء وأساتذة وطلبة علم ورجال أعمال، كان المنشّط لهذه الاحتفالية الطيبة الأستاذ طه كوزي الذي افتتحها بالترحيب بكل الحاضرين الأكارم، وبالتذكير بالطبعات السابقة لوسام العالم الجزائري منذ سنة 2007م، بدءًا من د. أبو القاسم سعد الله شيخ المؤرخين، ثم د. محمد ناصر الشاعر الأديب، والفلكي د. جمال ميموني، ثم الفيلسوف المسلم د. عبد الرزاق قسوم، ورجل الوسطية والاعتدال الشيخ محمد الهادي الحسني، إلى آخر مُكرّم قبل هذه السنة وهو رجل الصُّلح د. سعيد بويزري.
في الإعلان الرسمي للعالم المُكرَّم بوسام السنة؛ كشف النقاب د. محمد بابا عمي -المدير العام لمعهد المناهج- عن المعايير التي يعتمدها مجلس البحث العلمي لمعهد المناهج وهيئة المُكرَّمين بوسام العالم الجزائري وهي: "أن يكون ضليعًا في مجاله المعرفي، نافعا لوطنه، ومحترقًا شوقا وحبًّا لبلده"، وعلى إثره فالمكرّم بوسام العالم الجزائري لسنة 1434هـ/2012م، هو عالم الرياضيات: البروفيسور "محمد بولنوار زيان" العالم ضمن الجماعة العلمية.
كانت زينة الحفل الجلسة الحوارية مع العالِم المكرَّم د. محمد بولنوار، برفقة د. محمد بابا عمي، والأستاذ طه كوزي، وفي سؤال عن انطباعاته الأولى كان المكرّم يلهج لسانه بالشكر لله تعالى على فضله، ثم أوصل شكره لكل القائمين على هذا الحفل، وأكّد بتواضعه وجود عدد كبير من علماء الوطن هم أهل للتكريم بالوسام قبله، لكنه مع ذلك أحسن الظن في اختياره، وتمنّى أن يكون خير سفير وممثل لعلماء الجزائر بهذا الوسام. وقد أهدى المكرم وسامه إلى شهداء الوطن في جهاد التحرير، وإلى والده الذي انتقل إلى جوار ربه ـ رحمه الله ـ والأهم بعد ذلك أن هذا الوسام أول من يستحقه هي والدته العزيزة.
كما أفصح العالم "محمد" عن حبِّه للبساطة؛ لأن الرياضيات – كما عبّر عنها - علم معقَّد يحتاج إلى شيء من المرونة والتيسير في التعامل معه، وهو يشعر بأن الله قدّره لهذه المهمة والرسالة، وهو بهذا التكريم ليس بأفضل من غيره.
أما عن بدايته مع تخصصه، فقد ذكر المكرّم كيف كان اختياره لشعبة الرياضيات في أول سنة له في الدراسة الثانوية "ثانوية عباس لغرور بمدينة باتنة"، وكشف عن التحديات والعقبات التي اعترضته في سبيل اختياره.
مفترق الطرق بالنسبة لمحمد بولنوار هو هجرته إلى فرنسا لأول مرة للدراسة الجامعية هناك بالمدرسة المركزية (باريس)، في سؤال عن شعوره بالغربة وهو طالب.. الغربة عن الأهل واللغة، بيّن المكرَّم أن الهدف حين يتضح يتلاشى حِسّ الغربة وتتلاشى معه كل الصعوبات، هذا وقد كان في بداية رحلته شاكًّا في بلوغ هدفه، فلمّا تيقّن من قدرته على بلوغ الهدف هانت الغربة في عينيْه.
أما د. باباعمي فقد ركّز في مداخلته على أهمية الجماعة العلمية وضرورتها، وعلى قيمة العلم باعتباره علاقة بين العلماء، فإذا كانت هذه العلاقة قوية يقوى العلم وينمو، وبالعكس يفتر العلم ويضعُف، وقد استلهم د. باباعمي هذا المعنى من اعتراف المكرّم باشتغاله في أبحاثه مع عدد من العلماء، منهم من لم يلتق معهم وجهًا لوجه إلا بعد عشر سنوات... !! وهنا يطرح السؤال نفسه على كل واحد منّا: كم من إنسان نلتقي معه يوميًّا، ولم نعمل معه ساعة واحدة، ولم ننتج بجهود مشتركة شيئا يُذكر ؟؟
لذلك فقد آن الأوان للعمل ضمن الجماعة العلمية بعد تجديد العلاقات فيما بينها، وهي التي تمثل الجامعة، مراكز البحث العلمي، المدارس، وغيرها من المؤسسات.. فكلما تكثفت العلاقة بينها كلما نما المشروع ونمت الحضارة، وكلما ذبلت العلاقة خفُت المشروع وكذلك الحضارة من بعدها.
وما يؤكد معنى "الجماعة العلمية" أصالته في ديننا وفي كتاب ربنا، فلا يوجد دين كالإسلام ولا كتاب كالقرآن نبَّهَ على أهمية العلاقات وضرورتها، (إِنّما المُؤْمنونَ إِخْوةٌ) [الحجرات: 10]، وفي سيرة الرسول ما يرسّخ روح الجماعة بجلاء، وهو ما فعله عليه الصلاة والسلام بعد الهجرة؛ حين آخى بين المهاجرين والأنصار فوُلدت الحضارة إثرها، وحين قُتلت العلاقات في معركة "صِفّين" ماتت الحضارة مباشرة.
وروح هذه الجماعة العلمية –ولا شك- هي الحب في الله... آن الأوان – كما أكّد د. بابا عمي - للعالم أن يكون حبيبًا للعالم الآخر، وللسياسي أن يكون حبيبًا للسياسي الآخر، وللمثقف أن يكون حبيبًا للمثقف الآخر - وإن اختلفت الرُّؤى والمناهج فهو اختلاف تنوع - وبغير ذلك لن تقوم قائمة للجماعة العلمية، وبالتالي ستكون الحياة ميّتة لا قدّر الله.
"العلم هو الجماعة العلمية، والعلاقات التي تسدّ لحمتها.. إذا أردنا لهذا الوطن في الخمسين سنة المقبلة أن يكون بخير، علينا أن نركّز جميعا على علاقاتنا التي نسأل المولى تعالى أن ينمّيَها، وأن تكون أفضل مما كانت عليه" هي إشراقة أمل لفجر قريب؛ رشحت بها تلكم الجلسة الحوارية الشّيّقة.
وفي السيرة الذّاتية المطبوعة سَجّل المُكرَّم أمنيته قائلا: "أمنيتي، أن أحصل على قاعة في ركن جامعة، أدرّس فيها أبناء وطني"، وهو ما أكّده على منصّة الحفل، حين عبّر عن رغبته في وجود شباب يتعلّم معهم ويتعلّم منهم، وهو رغم تدريسه لشباب من جنسيات مختلفة؛ أمريكية، وفرنسية، وصينية...، إلا أنه يريد تبليغ علمه بالدرجة الأولى لأبناء بلده الذي فيه نشأ وترعرع، وعلى أرضه تعلّم.
من فقرات الحفل الكريم كان تسليط الضوء على خلائف العلماء وتلامذتهم السالكين لدروبهم، حيث تمَّ تكريم المتفوّقين في مختلف المجالات العلمية:
بداية من حفظة كتاب الله بأحكام التلاوة حيث كُرّم طالبان من دار القرآن "محمد البشير الإبراهيمي"، وهما: الطالب حمو علي محمد بن يحيى، والطالب سعيد عبد السلام بن اسماعيل.
وبعدها تمَّ تكريم ستة طالبات حصلن على الإجازة في قراءة القرآن على رواية ورش، من قسم الإجازة بمعهد المناهج وهن:
ساسي سعدية – بن قدّاح أمال - فخار كريمة – حميد أوجانه أسماء – بوحديبة مسعودة – بكلي عائشة.
وختامًا جاء دور حملة شهادة الماجستير المتخرجين من معهد المناهج وهم:
- الباحث "بوبلال امبارك"، ماجستير في الاقتصاد الإسلامي.
- الباحث "أولاد بحماني سعيد" ماجستير في المحاسبة.
- الباحث "باحامد إدريس" ماجستير في الفقه وأصوله.
- والباحث "كوزي طه" ماجستير في الفكر الإسلامي.

Podcast الوسام
محتوى سمعي من انتاج مؤسسة وسام العالم الجزائري, تابعنا على:
google-podcast spotify apple-podcast