(محك وسام العالم الجزائري... وغيرِه)
درج القُدامى على تصنيف الأعمال إلى صنفين، هما: أعمال القلوب، وأعمال الجوارح؛ غير أنَّ المنظومة المعرفية المعاصرة، في أصولها المادية، تتنكَّر لأعمال القلوب، وتُرسي أسس ثنائية أخرى، هي: أعمال العقول، وأعمال الجوارح.
وشتان بين صورةٍ وأخرى؛ فالقلبُ لا يستثني العقل في المفهوم القرآني، كما أنَّ الإنجاز ثمرة لإعمال العقل؛ أمَّا العقل في المدلول العلمي فيلغي القلب؛ ويبقى القاسم المشترك هو: أعمال الجوارح.
وسام العالم الجزائري، من يوم خطا الخطوة الأولى، إلى أن بلغ ما بلغ، بعد عقدٍ ونصف العقد من الزمان الصعبِ؛ أي إلى أن بلغنا أجل "رؤيا 1444ه/2022م"؛ يحيا وينمو ضمن هذا التقسيم: أعمال القلوب، وأعمال الجوارح.
أمَّا أعمال الجوارح، فهي ثمرة تفكير وتدبير؛ وهي بالمصطلح الحديث "حكامة وحكمة" في التخطيط والتنفيذ؛ وفي القول والفعل، وفي البرمجة والإنجاز... وهي تظهر في كل جزئيات الحدث، سواء في ذلك حدث الاحتفال، أو الأعمال التي تنجز طول العام، من مثل "بودكاست العلماء"، و"جلسات الصحبة"، وقبل ذلك "خريطة العلم الجزائري".
أمَّا أعمال القلوب، فهي الأشدُّ وطئا، والأقومُ قيلا، والأخطرُ أمرا، والأعسرُ مقيلا... ذلك أنَّ من يدير المؤسَّسة، ومن يكرَّم، ومن يُنفق، ومن يحضُر، ومن يشجِّع... كلُّ هؤلاء بشرٌ، لهم قلوبٌ، ولا أحدَ يعلم "خائنة الأعين وما تخفي الصدور"؛ وأمرُ القلوب بيد الله تعالى، لا يعلم مداه إلاَّ صاحبُه؛ ولهذا كان الدعاء الدائم للمسلم العامل هو: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي".
فإننا واللهِ لنجد الأثرَ الطيب ونحسُّ بالطمأنينة حين نتغلَّب على هواجسنا، وحين نحطّم وساوسنا؛ وإننا لنتألم الألم المبرح ونجد الأثر السلبيَّ حين نخطئ في خطراتنا، وحين ننحرف في خواطرنا؛ ولذلك تقرَّر عندي بعد سنوات طوال من العمل ضمن مؤسَّسة الوسام وغيرها؛ أنَّ الانتصار لا يكون إلاَّ على ضراب القلوب، وأنَّ الانكسار لا يكون إلاَّ على سفوح القلوب.
فلا يغرُّنا الإنجاز ولا يُغرينا، إذا لم يكن مغلَّفا بإحكامٍ في إطار من "الإخلاص"، و"صدق النية"، و"صفاء الطوية"... كما لا يخيفنا الإخفاق إذا لم يكن سببه "رياء"، أو "سوء نية"، أو "خبث طوية"... فكل ذلك – الإنجاز والإخفاق – يُستدرك ويُصحَّح؛ لكن ما يقع في القلوب لا يُزال إلاَّ إذا "تقطَّعت القلوب"، ولا يصوَّب إلاَّ بجهود مديدة وخارقة في التطهير والتصفية والتبييض. وهي جهود لا يقدرها إلاَّ الكمَّل من الناس "فما يلقَّاها إلاَّ الذين صبروا، وما يلقَّاها إلاَّ ذو حظٍّ عظيم".
ويلخّص هذه المعاني قوله تعالى بأبلغ صورة: "إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا".
د. محمد باباعمي
معهد المناهج، الجزائر
9 نوفمبر 2022م