الاسم: طيّب
اللقب: حفصي
تاريخ ومكان الميلاد: أكتوبر 1944م بولاية سعيدة
"إن بناء الوطن يتم عبر مؤسساته وشركاته."
النشأة والمسار الدراسي
وُلد طيّب حفصي في مدينة سعيدة في أكتوبر من عام 1944م، وقد تركت تلك المدينة أثرًا لا يُمحى في نفسه، حتى إنه، كلّما أرخى الليل سدوله، تتهادى أمام عينيه صورها الصغيرة، ووجوه أصدقائه القدامى، وذكريات السعادة التي ذاقها بين ربوعها. وكان يردد في نفسه أنّ يومًا سيأتي يشرح فيه سرّ ذلك التعلّق العميق بتلك المدينة التي شكلت وجدانه الأول.
"كلما استحضرت ذكرياتي في سعيدة، تتملكني مشاعر قوية، وقبل أن أخلد إلى النوم، آخر صورة تخطر في بالي هي الصورة التي عهدتها عليها في صغري."
نشأ في أسرة ذات جذورٍ ريفيّة، حيث كان جده وإخوته وأبناؤهم، يملكون مزرعة صغيرة تمتد على نحو عشرين هكتارًا، يفلحونها معًا بروحٍ جماعية. تلك الرقعة المتواضعة من الأرض كانت ميزةً لهم، إذ كانت تُروى بمياه النهر الصغير الذي يعبرها. وهناك، في حضن الطبيعة، كان حفصي ورفاقه من الإخوة والأخوات يلعبون في المياه الجارية، ويتسلقون أشجار التين والزيتون تحت نظرات الجدّ الجالس على حصيره التقليدي، يراقبهم بحنوّ المعلّم وصبر الحكيم.
وفي تلك البقعة الريفية، كان الطفل يحلم أن يخلو بنفسه يومًا على قمّة التلّ، ناسكًا متأملًا. لقد كانت المزرعة أوسع بكثير في عهد الأمير عبد القادر، غير أن سلطات الاستعمار الفرنسي انتزعت معظمها ووزّعتها على المستوطنين الذين غدوا جيرانًا أثرياء. أمام ذلك الواقع، اضطر والده إلى الهجرة نحو المدينة، حيث امتهن التجارة.
كان يسمع منذ صغره من بعض أفراد عائلته أنّ أسلافهم عاشوا ذات يومٍ مجدًا استثنائيًا، غير أنّ ضعف البشر قد قاد تلك العائلة إلى التفكك والتشتت في أرجاء المغرب الكبير. ولتأكيد هذه الرواية، أراه أحدهم شجرة نسبٍ مكتوبة على رقٍّ من الجلد، يحتفظ بها كبار الأسرة بعناية جيلاً بعد جيل. وفيما بعد، عثر على دراسة تاريخية عن «البربرية الشرقية» قدّمت له بعض الملامح الإضافية عن تلك الأصول المفترضة.
"الاستراتيجية وثبةٌ إبداعية ترتكز على التحليل، شريطة ألا يتحول ذلك إلى قيدٍ يغتال روح الابتكار."
ومن بين الدروس التي رسخت في وجدانه منذ الطفولة ما كان يُردده كبار العائلة دومًا: "أغلى الثروات هي ثروة السلوك." وقد وعى تلك الحكمة مبكرًا، فاتخذها ميزانًا يهتدي به في مسيرة حياته كلّها.
المرحلة الأولى – زمن الثورة والفقد
يرى طيب حفصي أنّ أول المنعطفات الكبرى في حياته كان زمن حرب التحرير. كان في العاشرة من عمره حين اندلعت، ولم يدرِ معناها إلا خلال الإضراب الطلابي لعامي 1956–1957م، حين أثّر ذلك الحراك في مسيرته الدراسية بمدينة سيدي بلعباس التي درس فيها وأحبّها بعمق.
كان شقيقه الأكبر قد التحق بالجبال سنة 1956م ضابطًا في صفوف جيش التحرير الوطني، مسؤولًا عن تنظيم الـ«فدّاء». أما مدينة بلعباس، فكانت آنذاك مقرًّا للفيلق الأجنبي الفرنسي، ذلك الجيش الذي أُعجب الفتى بانضباطه وتنظيمه رغم ما يحمله من قسوة المحتل.
أما مدينة سعيدة، فكانت تعيش نسبيًا في هدوءٍ هشّ، بينما كانت الجبال المحيطة بها تعجّ بنشاط المجاهدين. ولإخماد جذوة المقاومة، كُلّف الضابط بيجار بما سمّاه «تطهير المنطقة». وكان ذلك الرجل الدموي قد أشرف عام 1958م على إعدام نخبة المدينة السياسية والفكرية، ومن بينهم والد طيب حفصي.
"كان الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين مدرسة حقيقية في فن إدارة الناس وفهم دور القيم والهياكل التنظيمية في تسيير الجماهير."
كان والده أقرب الناس إلى قلبه، ورحيله جاء في اللحظة التي كان أحوج ما يكون فيها إليه، فترك غيابه أثرًا عميقًا لم يندمل. وبعد تلك المأساة، فقدت الأسرة كلّ ما كانت تملك، واضطرت والدته إلى بذل معجزاتٍ حقيقية لتضمن لأبنائها البقاء. وقد مدّ لهم جيش التحرير الوطني يد العون كلّما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
المرحلة الثانية – فجر الاستقلال وبذور الوعي السياسي
بدأت المرحلة الثانية من مسيرة طيب حفصي عقب استقلال الجزائر، حين انفتح أمامه أفق جديد تلوح فيه ملامح وطنٍ حرّ وواعد. التحق بالجامعة في الجزائر العاصمة بعد تجربة قصيرة في مدينة كاين الفرنسية، وهناك انجذب سريعًا إلى الحياة الطلابية النابضة التي كانت تعكس طموحات جيلٍ كامل خرج من رحم الثورة.
"إنّ المعضلات التي تُربك إدراكنا للعالم ليست سوى نتاجِ تقدّمنا ذاته."
انخرط في صفوف الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين (UNEA)، وتدرّج في مسؤولياته حتى أصبح رئيس فرع الجزائر العاصمة، كما ساهم في تأسيس رابطة الشباب لجبهة التحرير الوطني (JFLN)، وهي حركة شبابية أكثر انفتاحًا على الشعب. في تلك الفترة، كان ينتمي إلى القسم الطلابي لحزب جبهة التحرير الوطني في العاصمة الكبرى، تحت إشراف المناضل حسين زهوان.
غير أن الحزب، كما لاحظ حفصي، كان يفتقر إلى وضوحٍ فكري وإلى عمقٍ عقائديّ يجتذب العقول الشابة. لذلك وجد نفسه أقرب إلى المجموعة اليسارية من الطلبة الذين تولّوا فيما بعد قيادة الاتحاد الطلابي. كانوا يصفون أنفسهم بالشيوعيين، غير أن حفصي رآهم الورثة الحقيقيين لقيم حرب التحرير، يجتهدون في التوفيق بين التقاليد الوطنية الأصيلة وبين التطلّع إلى العدالة الاجتماعية.
"غالبًا ما يظن القادة أنهم يعرفون ما يفعلونه، إلا أن الواقع يظهر أن وعيهم لا يشمل دائماً عواقب أفعالهم. فهم قد يدركون خطواتهم، لكنهم لا يعرفون بالضبط ما ستؤول إليه الأمور، لأن العلاقات بين السبب والنتيجة معقدة. وفي الرياضيات يُقال إن هذه العلاقات غير خطية، حيث تظنّ أنّك تتجه في اتجاه معين، بينما الواقع قد يسوقك في الاتجاه المعاكس.
وقد أدركت الدول المتقدمة هذا التعقيد بشكل أفضل من الدول النامية، ما منحها القدرة على البناء والتقدم بفعالية. واليوم، نجد العالم في حالة تعقيد متزايد، يسعى فيه الناس لتجربة الأمور واختبارها لمعرفة ما يصلح وما لا يصلح."
كان يعتبرهم أشبه بالأخوة، يربطه بهم ودٌّ عميق وإعجاب خالص. لم يعرف في حياته، كما يقول، رجالًا أكثر إخلاصًا لقضية الجزائر، ولا أكثر كرمًا وعفوية وصدقًا منهم. ظلّوا في ذاكرته رموزًا إنسانية يتمنى أن يعرّف بهم الأجيال الجديدة، ليقتدوا بنبلهم وصفاء نيتهم.
غير أن انقلاب عام 1965م كان صدمة قاسية هزّت يقينه. لم يتوقّع وقوعه، وأدرك حينها هشاشة الفعل السياسي حين ينفصل عن الفهم العميق للتاريخ والواقع. كان ذلك الحدث جرس إنذارٍ فكريّ أيقظه من انشغاله بالنشاط الحزبي إلى التأمل في جدوى العمل ذاته. عندها أدرك أنه أغفل جانبًا بالغ الأهمية في مسيرته: الدراسة. فقرّر أن يُكرّس نفسه للعلم بعد أن خَبِرَ محدودية السياسة وحدها في بناء الأوطان
المرحلة الثالثة – التجربة الصناعية في سوناطراك
شكّلت التجربة المهنية في شركة سوناطراك منعطفًا ثالثًا في مسيرة طيب حفصي، إذ فتحت له أبوابًا جديدة نحو الفهم العملي والرؤية الوطنية. فقد انضمّ إلى المشروع الطموح لبناء المصفاة الجديدة بمدينة أرزيو، تحت إشراف الدكتور محمد مازوني، الذي كان من المجاهدين السابقين.
كان مازوني يؤمن إيمانًا راسخًا بأن الشباب الجزائري قادر على استيعاب التكنولوجيا الحديثة المعقّدة، وأن بلده يستطيع أن يسير بخطى ثابتة نحو الاكتفاء الصناعي. نال دعمًا صادقًا من الشريك الياباني JGC، فجمع فريقًا من المهندسين الشباب حديثي الخبرة، لكنّهم كانوا يتحلّون بروحٍ من الالتزام تشبه روح المجاهدين الأوائل.
"قدرة المنظمة على البقاء مرهونة بقدرتها على التعايش مع الاضطراب."
انضمّ حفصي إلى ذلك الفريق كما ينضمّ مناضل إلى حركةٍ تحرّرية لا كموظّف إلى شركة. وبعد تدريبٍ مكثّف في إنجلترا ثم اليابان، عاد مع رفاقه ليعيدوا في أرزيو ما رأوه في مصانع شركة Showa Sekiyu اليابانية. تبنّوا نظام العمل والانضباط ذاته، وحتى الأنشطة الرياضية الجماعية التي كانت جزءًا من ثقافة الشركة الأم.
"المنظمة ليست سوى مجموعة من الأشخاص الذين يتعاونون فيما بينهم، والتحدي الأكبر في الإدارة يكمن في كيفية الحفاظ على هذا التعاون. فالتعاون لا يعني فقط قيام الأفراد بما يروق لهم، بل دفعهم للسير في مسار قد لا يكون خيارهم الشخصي، لكنه يصب في مصلحة الجماعة والمصلحة المشتركة."
كانت تلك التجربة أروع مغامرة في حياته. فقد كان التعلم فيها تجربة حيّة نابضة، وكانت نتائجها تفوق كلّ التوقّعات. شعر مع زملائه بأنهم اكتشفوا طريق التحرّر الحقيقي لبلدهم: تحرير العقول لا الجغرافيا فقط. أصبحت المصفاة فضاءً للتكنولوجيا المتقدمة وللإبداع الإنساني في آن واحد، وبيئة أعادت صياغة العلاقة بين العامل والمدير على أسس جديدة من الثقة والاحترام.
ورأى حفصي أن تلك الروح الخلّاقة التي زرعها مازوني ظلت تميّز سوناطراك، خاصة في قطاعات الصناعات التحويلية، حتى بعد رحيله. ظلّ يكنّ لذلك الرجل تقديرًا بالغًا، ويعدّه من الرجال الكبار الذين جمعوا بين الرؤية والعطاء. غير أنّ السياسة، كما يقول، لم تكن من صفّه، فأُقصي مبكرًا عن مواقع كان يمكن أن يقدّم فيها إنجازاتٍ أعظم.
كان حفصي يعتبر زملاءه في أرزيو بمثابة عائلة ثانية، وما زال، كلّما استحضر تلك المرحلة، تفيض مشاعره بالحنين. وحين غادر الفريق بعد أن تولّى إدارة قطاع التكرير والبتروكيمياء، لم يكن ذلك بقرار مدروس، بل كما لو أنّ القدر أراد أن يفتح له بابًا جديدًا.
شعر بالتعب، فطلب إجازة سنةٍ واحدة، صادق عليها رئيس الشركة آنذاك سيد أحمد غزالي. لم يكن يدري إلى أين يتجه، غير أن الصدفة –كما كثيرًا في حياته– كانت البوصلة. اقترح عليه صديقه مصطفى مقيدش أن يتقدّم إلى مدرسة سلو للإدارة بمعهد .MIT فعل ذلك دون أمل كبير، لكنه قُبل، وكانت تلك اللحظة الفارقة التي غيّرت مجرى حياته إلى الأبد.
"لقد انتقل الإنسان من الطاعة العمياء إلى المطالبة بالفهم والاقتناع."
المرحلة الرابعة – بين MIT وHarvard: اكتشاف الفكر والحرية
بدأت رحلة طيّب حفصي الجديدة في الولايات المتحدة، حيثُ انطلق في مغامرة علمية وفكرية امتدّت نحو خمسة أعوام من التحصيل والتأمل. التحق أولًا بمدرسة سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ثم واصل دراسته نحو الدكتوراه في جامعة هارفارد للأعمال.
كانت تلك السنوات، كما يصفها، انكشافًا على عالمٍ آخر لم يعرفه إلا من خلال الصور الأوروبية المشوّهة عن أمريكا. هناك، اكتشف معنى الحرية حين تُؤسّس وتُحاط بالقوانين، وشهد كيف يُمكن للمجتمع أن يصون كرامة الإنسان من خلال احترام الحقوق، رغم أن التجربة لم تخلُ أحيانًا من بعض التجاوزات. أدرك أن الحرية ليست حالة ثابتة، بل مسار حيّ يتأرجح بين المدّ والجزر، لا يستمر إلا بعزيمة المواطنين وإيمانهم بها.
كان يقول: "لقد قال الأمريكيون إنّ دستورهم معجزة، وأنا أرى أن المعجزة الحقيقية تكمن في أنه تغلغل في وجدان الأمة كلها، فصار القانون الأعلى الذي يتوحّد الجميع حول الدفاع عنه بعد قرنين من الزمن."
"في الحقيقة، التعليم ليس مجرد مهنة، بل هو مسعى دائم وراء المعرفة، في البداية ظننت أن الماجستير سيعينني على العودة إلى سوناطراك، لكنني فجأة وجدت نفسي في عالم تتجدد فيه الاكتشافات يوميًا، كطفل يعثر على كنز في كهف علي بابا، وكان ذلك شعورًا رائعًا."
في تلك الجامعات العريقة، عاش حفصي أسمى تجاربه الفكرية. لم تكن المعرفة هناك مجرّد كتبٍ ومحاضرات، بل حياةً نابضة بالفكر والتفاعل والفضول. التقى بعلماء ومفكرين وكتّاب وثوّار ورجال سياسة وأعمال، ورأى فيهم جميعًا نفوسًا متفرّدة، يجمعها الولع بالبحث والاكتشاف. وكان أكثر ما أدهشه التفاني المطلق في خدمة العلم، والشغف المشترك لدى مئات الأشخاص القادمين من كل بقاع الأرض، يجتمعون حول فكرة واحدة: البناء بدل الهدم، والإبداع بدل الصراع.
"مهنتي هي القراءة والكتابة."
هناك، تبلورت رؤيته للعالم، وتبدّت له حدود الإنسان وضعفه، لكنه في الوقت نفسه تعلّم أنّ تجاوز تلك الحدود ممكنٌ إذا صادف المرء من يرشده ويؤمن بقدراته.
ومن بين من تركوا فيه أثرًا خالدًا، كان الأستاذ C. Roland Christensen، أحد كبار الأساتذة في جامعة هارفارد، الذي جمع بين الطيبة والعبقرية التربوية.
كان كريستنسن، كما يقول حفصي، من أعظم الأشخاص الذين غيّروا مسار حياته. فقد غرس فيه الإيمان بأنّ المعرفة لا تُمنح لتُحفظ، بل لتُطبّق وتُكيّف حتى تكون نافعة. كان ينصحه قائلاً: "دع الجزائر جانبًا قليلًا الآن، وتعلّم… ثم عد إليها بعلمٍ يعينك على الفهم."
"فنّ الإدارة هو حسن توظيف الأدوات المتاحة للتأثير في مستوى التعاون داخل المنظمة."
وكان أيضًا يشجّعه على اكتشاف قدراته الخفية، يذكّره دائمًا بأن الإنسان يمكن أن يكون عادياً في مظهره، متميزًا في جوهره، إن هو عرف كيف يُنمّي ما أودع الله فيه. ومن الحكم التي ظلت راسخة في ذهن حفصي قولُه:
"يا طيّب، الإنسان مزيج من الخير والشر. إن بحثت عن الخير وجدته، وإن فتّشت عن الشر وجدته أيضًا. فاختر ما تبحث عنه!"
المرحلة الرابعة – بين MIT وHarvard: اكتشاف الفكر والحرية
بدأت رحلة طيّب حفصي الجديدة في الولايات المتحدة، حيثُ انطلق في مغامرة علمية وفكرية امتدّت نحو خمسة أعوام من التحصيل والتأمل. التحق أولًا بمدرسة سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ثم واصل دراسته نحو الدكتوراه في جامعة هارفارد للأعمال.
كانت تلك السنوات، كما يصفها، انكشافًا على عالمٍ آخر لم يعرفه إلا من خلال الصور الأوروبية المشوّهة عن أمريكا. هناك، اكتشف معنى الحرية حين تُؤسّس وتُحاط بالقوانين، وشهد كيف يُمكن للمجتمع أن يصون كرامة الإنسان من خلال احترام الحقوق، رغم أن التجربة لم تخلُ أحيانًا من بعض التجاوزات. أدرك أن الحرية ليست حالة ثابتة، بل مسار حيّ يتأرجح بين المدّ والجزر، لا يستمر إلا بعزيمة المواطنين وإيمانهم بها.
كان يقول: "لقد قال الأمريكيون إنّ دستورهم معجزة، وأنا أرى أن المعجزة الحقيقية تكمن في أنه تغلغل في وجدان الأمة كلها، فصار القانون الأعلى الذي يتوحّد الجميع حول الدفاع عنه بعد قرنين من الزمن."
"في الحقيقة، التعليم ليس مجرد مهنة، بل هو مسعى دائم وراء المعرفة، في البداية ظننت أن الماجستير سيعينني على العودة إلى سوناطراك، لكنني فجأة وجدت نفسي في عالم تتجدد فيه الاكتشافات يوميًا، كطفل يعثر على كنز في كهف علي بابا، وكان ذلك شعورًا رائعًا."
في تلك الجامعات العريقة، عاش حفصي أسمى تجاربه الفكرية. لم تكن المعرفة هناك مجرّد كتبٍ ومحاضرات، بل حياةً نابضة بالفكر والتفاعل والفضول. التقى بعلماء ومفكرين وكتّاب وثوّار ورجال سياسة وأعمال، ورأى فيهم جميعًا نفوسًا متفرّدة، يجمعها الولع بالبحث والاكتشاف. وكان أكثر ما أدهشه التفاني المطلق في خدمة العلم، والشغف المشترك لدى مئات الأشخاص القادمين من كل بقاع الأرض، يجتمعون حول فكرة واحدة: البناء بدل الهدم، والإبداع بدل الصراع.
"مهنتي هي القراءة والكتابة."
هناك، تبلورت رؤيته للعالم، وتبدّت له حدود الإنسان وضعفه، لكنه في الوقت نفسه تعلّم أنّ تجاوز تلك الحدود ممكنٌ إذا صادف المرء من يرشده ويؤمن بقدراته.
ومن بين من تركوا فيه أثرًا خالدًا، كان الأستاذ C. Roland Christensen، أحد كبار الأساتذة في جامعة هارفارد، الذي جمع بين الطيبة والعبقرية التربوية.
كان كريستنسن، كما يقول حفصي، من أعظم الأشخاص الذين غيّروا مسار حياته. فقد غرس فيه الإيمان بأنّ المعرفة لا تُمنح لتُحفظ، بل لتُطبّق وتُكيّف حتى تكون نافعة. كان ينصحه قائلاً: "دع الجزائر جانبًا قليلًا الآن، وتعلّم… ثم عد إليها بعلمٍ يعينك على الفهم."
"فنّ الإدارة هو حسن توظيف الأدوات المتاحة للتأثير في مستوى التعاون داخل المنظمة."
وكان أيضًا يشجّعه على اكتشاف قدراته الخفية، يذكّره دائمًا بأن الإنسان يمكن أن يكون عادياً في مظهره، متميزًا في جوهره، إن هو عرف كيف يُنمّي ما أودع الله فيه. ومن الحكم التي ظلت راسخة في ذهن حفصي قولُه:
"يا طيّب، الإنسان مزيج من الخير والشر. إن بحثت عن الخير وجدته، وإن فتّشت عن الشر وجدته أيضًا. فاختر ما تبحث عنه!"
موجز السيرة الذاتية
المسار الأكاديمي
تكوين جامعي في الرياضيات، جامعة الجزائر، 1965.
شهادة مهندس، المدرسة الوطنية للأرصاد الجوية، باريس، 1968.
شهادة مهندس في الهندسة الكيميائية، المعهد الجزائري للبترول، الجزائر، 1969.
درجة الماجستير في العلوم الإدارية، كلية سلون للإدارة، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كامبريدج، ماساتشوستس، 1978.
دكتوراه في إدارة الأعمال، كلية هارفارد للدراسات العليا في إدارة الأعمال، بوسطن، ماساتشوستس، 1981.
"لا يتحقّق التعاون إلا حين يدرك الفرد أنّ ما يناله من مقابل يبرّر ما يقدّمه من عطاء."
المسار المهني
التحق بالشركة الوطنية للمحروقات سوناطراك، 1969.
مهندس إنتاج، متخصّص في زيوت التزييت، بمصفاة أرزيو، 1969.
مدير إنتاج زيوت التزييت، مصفاة أرزيو، 1970.
المدير العام للإنتاج بالمصفاة، مصفاة أرزيو، 1972.
المدير العام لمصفاة أرزيو، 1973.
المدير العام لفرع البتروكيمياء والتكرير، 1974.
مدير على المستوى المركزي، مكلّف بقطاع التكرير، 1975.
"اللامركزية والتبسيط ضرورة حتمية. فالحرية ليست مجرد حرية سياسية، بل هي بالأساس حرية اقتصادية. ولكي تتجسد الحرية، لا بد من المعرفة، وهنا تكمن قيمة التعليم والتدريب. ويجب على الدولة، بداية من المستوى المركزي، ثم تدريجيًا على المستوى المحلي، أن تكون رائدة في تقديم برامج تدريبية إدارية متوافقة مع متطلبات التنمية الاقتصادية."
الخبرة الأكاديمية
باحث ومساعد تدريس، كلية هارفارد لإدارة الأعمال، بوسطن، من 1979 إلى 1981.
أستاذ مساعد في سياسات التنظيم، كلية الإدارة، جامعة مكغيل، مونتريال، سنتا 1981 و1982.
أستاذ مساعد في سياسات الإدارة، المدرسة العليا للعلوم الاقتصادية والتجارية (ESSEC)، فرنسا، من 1982 إلى 1983.
أستاذ مشارك في سياسات الإدارة، المدرسة العليا للعلوم الاقتصادية والتجارية (ESSEC)، فرنسا، من 1983 إلى 1984.
أستاذ مشارك في سياسات الإدارة، المدرسة العليا للتجارة (HEC Montréal) – كندا، من 1984 إلى 1989.
أستاذ التعليم العالي في سياسات الإدارة، HEC Montréal، منذ 1989.
أستاذ كرسي Walter J. Somers في الإدارة الاستراتيجية الدولية، HEC Montréal، منذ 2002.
مجالات الخبرة تشمل:
الاستراتيجية المؤسسية (واستراتيجية الأعمال)،
وضع الاستراتيجيات في المؤسسات العمومية،
إدارة الأنظمة الكبرى المتنوعة والمعقدة،
الحوكمة المؤسسية،
نظرية التنظيم وتنفيذ الاستراتيجية،
استراتيجية التنمية الوطنية،
ريادة الأعمال.
وقد قدم البروفيسور حفصي استشارات متخصّصة في جميع هذه المجالات لشركات أمريكية وكندية وفرنسية، فضلًا عن عدد من الحكومات في الدول النامية.
"إنّ المنظمة، في جوهرها، ليست سوى بناء واعٍ لنظامٍ يقوم على التعاون."
الإسهامات العلمية
- مؤسس وعضو رئيسي ورئيس التحرير الأول (1996–2004) لمجلة International Management، وعضو الهيئة التحريرية منذ 2004.
- رئيس التحرير لجميع منشورات مركز دراسات الأعمال الدولية بـ HEC Montréal.
- مدير سلسلة "المديرون البارزون وإنجازاتهم"، دار النشر التابعة لجامعة كيبك.
- مدير سلسلة "الإدارة الاستراتيجية للمنظمات المعقدة"، دار النشر Gaétan Morin.
- عضو الهيئة التحريرية لمجلة Gestion, Revue Internationale، من 1989 إلى 1994.
- محرّر قسم الاستراتيجيات في المجلة الكندية للعلوم الإدارية (Canadian Journal of Administrative Sciences)، من 1990 إلى 1993.
- عضو مؤسِّس في جمعية الإدارة الاستراتيجية (Strategic Management Society).
"ستصل الجزائر بحلول عام 2040، مستندة إلى مواردها وطموحها المشروع، لتصبح واحدة من أكثر الدول تأثيرًا في حوض المتوسط على الصعيد الاقتصادي."
الجوائز والتكريمات
- دكتوراه فخرية من جامعة شيربروك، كندا، 20 سبتمبر 2025.
- تنويه شرفي لأفضل بحث في ASAC 2010.
- جائزة أفضل كتاب في مجال إدارة الأعمال في كيبك، 2009.
- جائزة William E. & Frederick C. Mosher لأفضل مقال أكاديمي، 2008.
- الجائزة التقديرية الأولى لأفضل بحث، Management Decision، 2007.
- جائزة أفضل بحث لسنة 2004، CJAS.
- جائزة Alma Lepage لأفضل دراسة حالة حول مديرة ناجحة، 2001.
- جائزة فرانسوا ألبر أنجيه لأفضل كتاب تعليمي، عن كتاب La stratégie des organisations: une synthèse، 2001.
- جائزة أفضل أستاذ لسنة 2000، تُمنح مرة واحدة خلال المسيرة الأكاديمية.
- جائزة Coopers & Lybrand لأفضل كتاب أكاديمي في إدارة الأعمال، عن كتاب La capacité de changement، 1998.
- جائزة بيار لوران (Pierre Laurin) لأفضل بحث، 1991.
- جائزة أفضل مقال منشور في المجلة الكندية للعلوم الإدارية، 1990.
"كم كان العالم ليزداد رحابةً لولا سطوة القادة المفرطين في قوتهم، الذين يحجبون بظلهم عطاء غيرهم ويخنقون إبداعهم."
المنشورات
فيما يلي قائمة مختارة من أبرز مؤلفات البروفيسور طيب حفصي، التي تعكس إسهاماته العلمية والأكاديمية في مجالات الإدارة الاستراتيجية، السياسات التنظيمية، واستراتيجيات المؤسسات العامة والخاصة.
Jean‑Paul Bailly : Réconcilier société et entreprise (Ali Fadil & Taïeb Hafsi) – 2023
Les entreprises du secteur public ou le management du bien commun (Taïeb Hafsi & Jean‑Marie Toulouse) – 2021
Le management stratégique (Taïeb Hafsi) – 2019
Le développement économique de l’Algérie : expériences et perspectives (sous la direction de Taïeb Hafsi) – 2011
Issad Rebrab : Voir grand, commencer petit et aller vite (Taïeb Hafsi) – 2012
La stratégie des organisations : une synthèse (Taïeb Hafsi) – 2000 (2e édition)
Les fondements du changement stratégique (Taïeb Hafsi & Bruno Fabi) – 2007
Entreprise publique et politique industrielle (Taïeb Hafsi) – 1983/84
The Strategic Decision‑Making Process in State Owned Enterprises (Taïeb Hafsi) – 1981 (Doctoral Dissertation)
Strategic Issues in State‑Controlled Enterprises (Taïeb Hafsi) – 1989
La gestion stratégique d’entreprise : aspects théoriques (Taïeb Hafsi & Marcel Côté) – 1995
La stratégie nationale de la Tunisie de 1881 à 1991 (Taïeb Hafsi & Nadir Krim) – 1995
La stratégie nationale de la Hongrie de 1944 à 1993 (Taïeb Hafsi & Maximilien Téréraho) – 1995
La stratégie nationale de l’Espagne de 1936 à 1993 (Taïeb Hafsi & Line Bonneau) – 1994
Société d’État ? Pourquoi pas ? Les secrets de la réussite d’Hydro‑Québec (Taïeb Hafsi & Roger Lanoue)
"في كندا، يثير إعجابي دومًا مستوى كفاءات أبناء الجالية الجزائرية، حتى أن الكنديين أنفسهم لا يترددون في الإشادة بها."
لمحات يوضحها سؤال… ويشرحها جواب
ما اسم الحيّ الذي نشأتم فيه بولاية سعيدة؟
أعتقد أنّني وُلدت في قرية دالية”DALIA” ، ثمّ عندما بلغت الخامسة من العمر انتقلنا إلى قرية بودية “BOUDIA” حيث لا يزال بعض أفراد العائلة يقيمون هناك.
كم كان عدد أفراد العائلة التي نشأتم في كنفها؟
أنجبت والدتي سبعة أطفال، تُوفي اثنان منهم في سنّ مبكرة (محمد ورشيد). ولديّ أيضًا أخت غير شقيقة تُدعى مريم وهي أكبر سنًّا (ولا تزال على قيد الحياة)، وأخوان بالتبنّي كلاهما متوفيان.
كيف كانت الجزائر تبدو لكم إبّان الحقبة الاستعمارية؟
اتسمت تلك الفترة بالعلاقات القبلية؛ إذ كانت المنافسة بين القبائل شديدة، تغذّيها السلطات الفرنسية التي كانت تسعى إلى إبقائها منقسمة. ومع ذلك، كانت جماعتنا متماسكة ومتضامنة إلى حدّ كبير.
كيف تصفون علاقتكم بالوالدين والإخوة، وكيف تغيّرت حياتكم بعد وفاة الوالد (رحمه الله)؟
كان والدي رجلاً عطوفًا، صارمًا في مبادئه، وسخيًّا محبًّا لفعل الخير. وكان والدانا متشابهان في الصفات ويكمل كل منهما الآخر. لم تخلُ حياتهما أحيانًا من بعض التوترات، لكن العائلة الكبيرة كانت تتدخل لحلّها. أما علاقتنا كإخوة، فكانت ولا تزال تتسم بالمودّة والمحبة، تمامًا كما أراد والدانا.
حين توفي والدي، كانت البلاد في خضمّ حرب التحرير. ترك علينا ديونًا تكبدت والدتي عناء سدادها. وكانت تتلقى أحيانًا دعمًا ماليًا من جيش التحرير الوطني. كنا نحن منشغلين بالنضال إلى حدّ أننا لم نُدرك تمامًا صعوبات ما كانت تواجهه والدتي. شيئًا فشيئًا، صارت والدتي تقوم بدور الأب والأم معًا.
"النجاحُ حالٌ مؤقتة، لذا وجب تخطّي أثره تمامًا كما نتخطّى الفشل."
حدثونا عن رحلتكم التعليمية منذ الصغر؟
لم أكن قد بلغت الحادية عشرة حين التحقتُ بالمتوسطة في سيدي بلعباس. كان أهل الجنوب يتوجّهون إلى هناك. كان معي طلاب من البيّض، مشرية، عين الصفراء وبشار، إلى جانب بعض أبناء بلعباس، لكنّنا كنّا أقلية مقارنة بأبناء المستوطنين.
بعد نيل شهادة التعليم المتوسط (حوالي 1959)، التحقت بثانوية لابرين (عزّة) حيث درستُ شعبة الرياضيات التقنية. كنت من بين الطلبة الجيدين دون أن أكون استثنائيًّا. كنا نركّز أكثر على النضال من أجل الاستقلال. اجتزت امتحان البكالوريا ونجحت قبل الاستفتاء بشهر واحد.
في تلك السنة، قضينا نحو ثلاثة أو أربعة أشهر في سعيدة بسبب أعمال العنف من المستوطنين، وكانت فرصة جميلة لإعادة اكتشاف المدينة وأصدقاء الطفولة.
"في مواصلة التفكير والتقدّم يتجلّى المعنى الحقيقي للحياة."
ما الهوايات أو الاهتمامات التي مارستموها خلال فترة الطفولة؟
كنّا نعيش ببساطة، نصنع ألعابنا بأنفسنا، وكانت رياضتنا المفضلة كرة القدم. لم نكن مراهقين مشاغبين، إذ ساعدتنا حرب الاستقلال على الانضباط وتوجيه طاقاتنا بشكل بنّاء. كنّا نهتم كثيرًا بالعمل الجماعي. أما أنا فكنت أحبّ الريف، وكنت أزور مزرعة جدي وأعمامي متى استطعت. هناك أدركت أن الاستعمار سلبنا 80٪ من أراضينا ومنحها للمستوطن الذي يسكن مقابلنا، لكن أجدادي صمدوا بفضل قطعة أرض صغيرة يمرّ بها جدول ماء.
من هم المعلمون والأصدقاء الذين تركوا أثرًا طيبًا فيكم خلال طفولتكم، وإلى أي المواد التعليمية كنتم أكثر ميلاً: العلمية أم الأدبية؟
تأثّرت كثيرًا بأصدقائي في سعيدة، كنا كالإخوة في تقاربهم وتآزرهم. وعلى الرغم من ابتعادنا لاحقًا، فإنني لا أزال أكنّ تقديرًا عميقًا لتلك الروابط المملوءة بالتضامن والمودة والدعم المتبادل، ولرونق اللغة وفصاحتها.
في بلعباس، جمعتني صداقة وثيقة مع علّال لويراد من زهانة (المعروفة آنذاك باسم سان-لوسيان)، وكان بالنسبة إليّ أخًا حقيقيًا. فقدت أثره حين غادر إلى الاتحاد السوفييتي لمواصلة دراسته بدعم من الجيش الوطني الشعبي، لكنني التقيت به مؤخرًا بفرح غامر.
في المدرسة، حظيت بمعلمين رائعين، متفانين وملتزمين تجاه تلاميذهم، وقد أحببتهم جميعًا. أما في المرحلة الثانوية، فخفّت تلك الألفة، إلا أننا ظللنا نكنّ لهم احترامًا بالغًا. وللأسف، لم أحظَ بمعلم بارع في العربية، وظلت اللغة الفصحى جانبًا مهمّشًا في دراستي، وهو أمر أندم عليه كثيرًا.
بالنسبة لنا، كانت الدراسات العلمية هي الأساس، أما سائر المواد فكانت أقل أهمية. ومع ذلك، رغبنا في التفوّق على زملائنا الأوروبيين في جميع المجالات، وهو ما دفعني إلى إعطاء عناية خاصة أيضًا للمواد الأدبية، وأنا سعيد بأنني فعلت ذلك.
"طريقي لم يكن طريق شخص استثنائي، بل طريق إنسان عادي يمكن لأي أحد أن يسلكه."
متى التحقتم بالجامعة، وما العوامل التي أثّرت في اختياركم للتخصص الأكاديمي؟
بعد الاستقلال، التحقتُ بجامعة كاين (Caen) في فرنسا، لكن بعد ثلاثة أشهر دعت الحكومة الطلبة للالتحاق بجامعة الجزائر، فاستجبتُ لذلك.
اتجهتُ مباشرة نحو دراسة الرياضيات، وكان ذلك طبيعيًا لأنّ الفرنسيين كانوا يعتبرون المواد العلمية الأهم، كما كان حلمي أن أصبح مهندسًا.
كانت السنوات الأولى في الجامعة سنوات نضال أكثر منها سنوات دراسة، ومع ذلك، نجحتُ في المقررات التي درستها.
متى بدأتم المشاركة في النشاط الطلابي، وما أبرز محطات تجربتكم الجامعية؟
بدأ العمل النضالي مع إضراب الطلبة سنة 1956، ولم يتوقف بعدها. كان أخي في البداية مجاهدًا ثم أصبح ضابطًا في جيش التحرير الوطني، وكان ينشط في منطقة سعيدة-بلعباس. كانت اتصالاته المتقطعة تُبقي التزامي حيًّا، لكننا كنا نتوخّى الحذر الشديد.
قبل الاستقلال، انضممتُ إلى المنظمة الكشفية الجزائرية (SMA)، وكانت تجربة تعليمية ممتازة. هناك تعلّمتُ معنى خدمة المجتمع.
وبفضل حسّي التنظيمي، تولّيت مسؤوليات مختلفة، من بينها تأسيس فرع لحركة الشبيبة التابعة لجبهة التحرير الوطني (JFLN) في سعيدة، وكان فرعًا نشطًا للغاية. ثم شاركت في المؤتمر التأسيسي في الجزائر العاصمة. لم أرغب في تحمّل مسؤوليات مركزية لأنّني كنت أريد متابعة دراستي.
في الجزائر، انضممت إلى الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين (UGEMA) وشاركت في مؤتمره الخامس الذي تحوّل فيه إلى الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين (UNEA).
من هم الزملاء الذين تركوا فيكم أثرًا عميقًا خلال سنوات التمدرس الجامعي؟
في هارفارد، أُعجبت بجميع زملائي، فقد كانوا يعرفون أكثر مني بكثير، وكانوا جميعًا أصحاب أخلاق عالية.
من الصعب أن أُنصف كل من أثّر فيّ أو ألهمني، لكن أودّ أن أذكر هنري منتزبرغ (Henry Mintzberg) من جامعة مكغيل، وسابين أوربان (Sabine Urban)، وألان مارتينيه (Alain Martinet)، وريمون-ألان تييتار (Raymond-Alain Thiétart) من فرنسا، بالإضافة إلى زملائي المقربين جان ماري تولوز، فرانسـين سيغان، ريشارد ديري، وعمر أكتوف.
"ينبغي الإيمان والمضيّ بثقة حتى عندما تكون الظروف صعبة، فالله يعين من يريد ويرزق الله من يشاء."
ما الذي دفعكم للانخراط في الحركات الطلابية مثل UNEA وJFLN، وما أبرز الصعوبات التي واجهتموها خلال تلك الفترة؟
ذكرتُ سابقًا تفاصيل التحاقي بـ UNEA وJFLN، لكن الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين (UNEA) كان الأكثر تأثيرًا.
كانت هناك صراعات حادة بين المناضلين ذوي التوجهات اليسارية الماركسية ومناضلي جبهة التحرير الوطني، ولم أكن أرى اختلافًا جوهريًا بينهم، إذ كانت أفكارهم متقاربة. كان الحفاظ على علاقة متوازنة مع الطرفين تحديًا كبيرًا، لكنه من أعظم دروس الحياة التي تعلمتها.
التقيتُ خلال تلك التجربة بأشخاص استثنائيين في التزامهم وإيمانهم بالجزائر. كان أبرزهم هواري مـوفّق من مستغانم، الذي درس في ألمانيا. وقد تُوفي مؤخرًا، وكان رحيله خسارة كبيرة لنا جميعًا.
ما الذي جعلكم تختار ون دراسة الهندسة الكيميائية في المعهد الجزائري للبترول (IAP)؟
في تلك الفترة، كنت قد أنهيت دراساتي في مدرسة الأرصاد الجوية في فرنسا. لم أكن أعلم ماذا أفعل بعد ذلك، فمصلحة الأرصاد في الجزائر كانت حديثة النشأة وضعيفة الإمكانات. أما النفط فكان المورد الرئيس للبلاد، وكان المعهد الجزائري للبترول يمنح منحًا دراسية، فكانت فرصة لاكتشاف مجال جديد فاغتنمتها.
كيف كانت تجربتكم خلال فترة الالتحاق بـ MIT وHarvard؟
بعد دراستي في المعهد الجزائري للبترول، التحقتُ بشركة سوناطراك، وكانت تلك التجربة حاسمة في حياتي. كنت أعمل نحو 13 ساعة يوميًا دون انقطاع، مما أنهكني، فطلبت إجازة لمدة عام وتمت الموافقة عليها.
في تلك الفترة، سلّمني أحد زملائي كتيّبًا عن برنامج ماجستير في كلية سلون بمعهد MIT، فكانت تلك لحظة قدرية. قدّمت طلبي وقُبلت أساسًا بفضل خبرتي في سوناطراك. أتممت دراسة الماجستير في مدة تجاوزت العام بقليل. خلال دراستي، كان أستاذي في مادة الاستراتيجية رولاند كريستنسن الذي ذكرتُه سابقًا. قلت له إنّ دراستي في MIT لا تخدم بلدي كثيرًا، فنصحني إن أردت متابعة الدكتوراه أن أختار جامعة تتناول موضوعات أكثر إنسانية، مثل هارفارد. قدّمت طلبي فقُبلت لأنّ نتائجي في MIT كانت ممتازة.
كانت دراستي في MIT بين 1977 و1978، وفي هارفارد بين 1978 و1981.
كانت تجربة مليئة بالتواضع، لأنّ كل من التقيت بهم في هارفارد كانوا أفضل مني في معظم الجوانب.
ما الأسباب التي جعلتكم تتخصصون في الإدارة؟
في سوناطراك كنت قد تولّيت بالفعل مسؤوليات مهمة ومارست الإدارة دون تكوين أكاديمي رسمي فيها. عندما بدأت التعمق في المجال، اكتشفت عالمًا جديدًا استهواني أكثر من العمل الهندسي.
كيف أثّرت وفاة ابنكم إسماعيل (رحمه الله) في نظرتكم إلى الحياة والعمل؟
إلى اليوم، لا تستطيع زوجتي ولا أنا أن نتحدث عن تلك اللحظات دون أن يغلبنا البكاء. كانت فاجعة قلبت حياتنا رأسًا على عقب، لكنها جعلتنا ننضج رغم الألم.
تعلمنا أن الحياة هبة من الله، يمكن أن تُستردّ في أي لحظة، وأن علينا استثمار ما تبقّى منها في فهم أعمق للعالم ولمصيرنا.
أصبحنا نُدرك أن الإنجازات الخارجية ليست بأهمية ومقام التهذيب الداخلي للروح، ولكن الله يهدي من يريد.
علّمتنا خسارة إسماعيل الكثير عن هشاشتنا، وعن حدود قدراتنا، وعن معنى العلم الحقيقي — ذاك السعي الدائم في عتمة المجهول بحثًا عن معنى وجودنا.
ما المشاريع أو الأهداف التي لا تزالون تطمحون إلى تحقيقها؟
ما زلت أتعلم؛ لا أظن أنني سأتوقف عن البحث في كيفية عمل الأنشطة الجماعية ونشر ما أتوصل إليه لكل من يبتغي الخير.
هناك أمور لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال الأدب، لذلك أفكّر أحيانًا في خوض تجربة كتابة الرواية.
ما النصيحة التي تقدّمونها للشباب الجزائري الطموح اليوم؟
الله يُعين من يريد.
يمكن للمرء أن يكون تجسيدًا للخير أو للشر— والاختيار بأيدينا.
الإيجابية والتفاؤل يجعلان الإنسان أكثر فعالية وسعادة مهما كانت ظروفه.
الجزائريون يملكون القدرات اللازمة ليغزوا العالم بعلمهم ويقدّموا إسهامات ذات قيمة. عليهم فقط أن يؤمنوا بذلك وألا يخافوا من التألق.
من خلال خبرتكم الدولية، كيف ترون مستقبل الجزائر؟
لا يمكن بناء أي شيء حقيقي إلا في ظلّ الحرية. يحتاج الجزائريون إلى حرية الفعل والمبادرة.
حان الوقت لأن نثق ببعضنا البعض ونُطلق الطاقات الضرورية لبناء الوطن عبر جهود الجميع.

Podcast الوسام
محتوى سمعي من انتاج مؤسسة وسام العالم الجزائري, تابعنا على:
google-podcast spotify apple-podcast