الاسم: محمد
اللقب: بن سعيد شريفي
تاريخ ومكان الميلاد: 1 جوان 1935م بالقرارة، ولاية غرداية
"أؤمن أن تعليم الخط يجب أن يحظى بمكانة أساسية في المدارس، لأنه أصل التعليم ذاته."
النشأة والمسار الدراسي
وُلد محمد شريفي في مدينة القرارة، ولاية غرداية، وادي مزاب، جنوب الجزائر، ليلة الأحد 29 صفر 1354هـ الموافق لأول جوان 1935م، عند الساعة التاسعة وأربعين دقيقة.
كان والده، الذي اعتاد تسجيل تواريخ ميلاد أبنائه في دفتر خاص، قد سمّاه "محمدًا". وينحدر من أسرة شريفي، ويعود نسبه إلى: محمد بن سعيد بن بالحاج بن عدون بن الحاج عمر بن عدون بن الناصر بن عدون بن حمو الطالب بن الناصر بن كاسي بن الناصر، رحمهم الله جميعًا. ويُعدّ الجد "كاسي بن الناصر" أحد مؤسسي مدينة القرارة، ومن اسمه عُرفت العشيرة.
والده هو الشيخ عدون (1319هـ/1902م – 1425هـ/2004م)، أحد علماء المنطقة، عُرف بغيرته على اللغة العربية وتضلّعه في علم النحو، كما تميّز بسرعة الكتابة. عمل معلّمًا ثم مديرًا لثانوية معهد الحياة بالقرارة، وتولّى في آخر حياته رئاسة مجلس عمي سعيد، أعلى سلطة روحية في وادي مزاب ووارجلان، خلفًا للشيخ الحاج محمد بن يوسف بابانو، وذلك سنة 1989م. كما أناب فترة من الزمن عميد الصحافة الجزائرية إبراهيم بن عيسى أبا اليقظان (1888–1973م) في إدارة جريدة الأمة بالعاصمة.
"أهم عنصر في تعليم النشء هو المعلم، فهو قدوة التلميذ ومثله الأعلى في حركاته وسكناته."
زار الشيخ عدون الحرم المكي في الثلاثينيات، وحضر هناك درسًا دينيًا دوّن نصّه كاملًا وسلّمه للواعظ. وكان أيضًا صاحب مبادرات اجتماعية مميزة، منها إنشاء ركن خاص في بيته لتوزيع أوراق وأظرف المراسلات منذ عشرات السنين على الأرامل والمحتاجين للتواصل مع ذويهم من المهاجرين. كما ساهم في شراء أرض للبناء رفقة سكان المنطقة، فوزّع نصيبه على أبنائه وبناته، وحين بنى منزله الجديد أوقف بيته القديم لفائدة المسجد الكبير بالقرارة.
نشأ محمد وسط عائلة متماسكة، حيث كان له إخوة وأخوات هم: مريم، بالحاج، عائشة، يوسف، خديجة، وبكير. وتخرّج من أحفاد هذه العائلة المعلم والأستاذ والطبيب، محافظين على تقاليد العلم والمعرفة التي توارثوها عبر الأجيال.
كانت والدته – رحمها الله – عائشة بنت سعيد بسيس، من أسرة عريقة، وكان والدها رئيسَ حلقة العزّابة.
عُرفت بحزمها في تربية أبنائها، وحرصها على النظافة، والمحافظة على أداء الصلوات، وقضاء أوقات الفراغ في بساتين خالهم، ابتعادًا عمّا يُشين.
"البيئة المحيطة بالطفل تؤثر في مهاراته الخطية؛ فاللوحات والخطوط الفنية في المنزل والمدرسة والشارع تصقل ذوقه وتشكل شخصيته."
نشأ في مدينة القرارة على الاعتماد على النفس، والمشاركة في شؤون الجماعة، وبعد إتمامه للتعلّم، انخرط في الجمعيات الأدبية، والمشاركة في حفلات الأعراس، والنشاط الكشفي.
كما كان يعمل في الواحات، يسقي النخيل والأشجار، وينزل إلى الآبار، ويصعد النخيل، وهو ما مكّنه لاحقًا من تسلّق الهرم الأكبر في الجيزة.
بداية الشغف بالخط العربي
أحبَّ الخطَّ منذ صغره، إذ كان الفنَّ الجميل الميسور في محيطه.
استهواه خطُّ معلّمه سعيد بن عبد الله الشيخ دحمان (1918–2008م) على السبورة، إذ كان يُنَمِّقه بعناية وانتظام، ويُثني على سطره بالتشكيل من اليسار إلى اليمين.
وفي المدرسة الابتدائية الفرنسية كان خطّه جيّدًا، وكان معلّمه ومديره بيك (Bic) ذا خطٍّ جميل، شديد العناية بتخصيص حصص للخطّ وتشجيع المتفوّقين فيه.
وللجمع بين المدرستين، كانت الدراسة العربية تبدأ فجرًا قبل الثامنة، تليها الحصص الفرنسية، ثم تُستأنف الدراسة العربية مساءً بعد الرابعة.
كان أَشْوَلَ (أيسرَ اليد)، وهي عادة لم تكن مرغوبة آنذاك، فكان ينقل القلم إلى يده اليمنى كلّما دخل مدير المدرسة – وهو خاله الأستاذ قاسم الحاج سعيد بسيس رحمه الله – وكان شديدَ الانضباط، مخافة أن يزجره، أو هكذا خُيِّل إليه. ولما بلغ الفصل السابع، صار خاله نفسُه معلمه، فكان يأمره بكتابة الدروس على السبورة لتفوّقه في الخط على أقرانه.
"واجهتني منذ البداية عقبة الكتابة باليد اليسرى، وهو ما شكّل تحديًا حقيقيًا في مساري. في تلك الفترة، لم يكن بين أيدينا أساتذة بارعون قادرون على مساعدتي في تجاوز هذه الصعوبة، وزاد من تعقيد الأمر ظروف الاحتلال الفرنسي التي حالت دون تواصلي المباشر مع الخطاطين. فلم أتمكن من لقائهم إلا وأنا في الرابعة والعشرين من عمري."
فتح عينيه في البيت على قاعة الضيوف المزدانة باللوحات الخطية التي استعصى عليه آنذاك قراءة تراكيبها، أما تواقيعها فلم يفكّ رموزها إلا بعد تخرّجه في مصر. وقد كانت تلك اللوحات مطبوعة بخطوط غير متداولة في تركيا، جلبها والده عند عودته من الحج، فأُعجب بها أيّما إعجاب، وأخذ يُكرّر تقليدها مرارًا.
وفي القاعة أيضًا مكتب وخزانة كتب، كان يستلذّ التأمل في أسمائها المنقوشة بخطوط أشهر الخطاطين.
بدأ بتقليد تلك الخطوط بكتابة حواشيها ثم ملئها، حتى بلغه أن أستاذه محمد بن بكير احجوجة (1924–2009م) – المشتهر بجمال خطّه – يكتب بقلم القصب، فكان ذلك فتحًا عظيمًا له. ولم يكن يعلم آنذاك أن القلم يُقطُّ عرضًا من رأسه ويُشقّ، وأن المحبرة تُلاق بالصوف أو بالحرير ليغترف منها الخطاط حبره.
تدرّج في تحسين خطّه العربي، وكذلك في الخط اللاتيني، حتى أصبح يكتب بالأدهان على واجهات المحلّات والسيارات بالخطّين معًا.
هواية كرة القدم
ملكت مشاعره أمران: جمال الخط ولعب كرة القدم، وكان كلاهما يتنافسان فيه بشدّة وشغف. ولما كان يُختار لتوازن الفريقين في الميدان، كان يُنتقى أولًا، ثم يُختار ضده لاعبان في الفريق المقابل، ولا يزال جمهورهم يتذكّر هدفه الذي سجّله مباشرة من الركنية.
وحين جرت مباراة مع فريق غرداية، شارك فيها لأول مرة، فانتصر فريقه بتسعة أهداف لثلاثة، سجّل منها خمسة، وكانت تلك المرة الأولى التي تنتصر فيها القرارة، فعمّ الفرح أرجاء المدينة.
وفي امتحان الشهادة الابتدائية الفرنسية سنة 1950م، الذي أُجري في غرداية لكافة مدارس ميزاب، كان – لكسله – آخر الناجحين فيها، غير أنه كان الأول في اجتياز شهادة الرياضة المدرسية. وقد أعلن نتائجها أستاذه ومديره مزهوًّا ومفتخرًا قائلاً: "إن شريفي أسدى الشرف للقرارة."
وفي خمسينيات القرن الماضي، عزمت فرنسا على جمع المواهب من مختلف الميادين لتنشئتهم في بلدها ونَسب تكوينهم إليها، وكان ضمن المرشّحين لذلك، غير أنه نجا بخروجه من الجزائر.
وفي مصر، كاد الفريق الوطني الجزائري يضمّه إلى صفوفه عندما بدأ جولته من القاهرة سنة 1958م، متنقّلًا بين البلدان الشقيقة والصديقة دعمًا لثورة الجزائر المجيدة. وقد انتسب حينها إلى تدريبات نادي الزمالك فترةً من الزمن، لكن لما حلّت السنة الدراسية، استحال عليه الجمع بين الدراسة والكرة، فاكتفى بالانضمام إلى فريق الكلية.
العمل في الجزائر العاصمة
اعتاد الطلبة – آنذاك – الانتقال صيفًا إلى الشمال، والانتشار في أرجائه للمشاركة في معترك الحياة، وسبر أغوارها، وكسب بعض الدراهم المعدودة.
وفي انتظار الحصول على جواز السفر، اشتغل سائقًا لشاحنة (25 ق) لدى شركة المستودع المنزلي عمر بن بكير وشركاؤه.
"في العطل الصيفية، كنت أشتغل في مهن متعددة، ليس طمعًا في المال وحده –إذ كان قليلاً– بل رغبة في معايشة الناس والاندماج في بيئتهم. جربت أعمالاً متنوعة، منها قيادة الشاحنات، وهو ما منحني تقديرًا عميقًا للعمل اليدوي، وعلّمني قيمة الجهد المبذول في سبيل العيش."
بين الموت والحياة
في شهر ماي 1957م، زار الشيخ أبا اليقظان صباحًا في المصحة، فأشار عليه بالعودة مساءً لكتابة بعض الرسائل، فلبّى الدعوة.
وعند عودته، وجد الطرقات خالية من المارة؛ إذ نفّذ عساكر المستعمر مذبحة رهيبة انتقامًا لمقتل أحد جنودهم وجرح آخر.
اقتادوه بالركل إلى موقع المجزرة، فإذا بالساحة مغطاة بجثامين مبعثرة، وكان معه ستة من الرفقاء، أُوقِفوا مسنودين إلى الحائط، والرصاص ينهال حولهم، يثير التراب على وجوههم.
في تلك اللحظة أحسَّ بدنوّ الأجل، وشعر كأنه يدخل عالمًا آخر، فرأى الدنيا على حقيقتها، كما وصفها خالقها سبحانه:
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: 20].
ناجى ربَّه بكل أسمائه وصفاته، وتوسّل إليه أن يشمله بعنايته، ويرزقه حسن الخاتمة.
اطمأن قلبه بالتوكّل، ورأى الحياة كأنها هاوية سحيقة يُطلّ منها على الآخرة. وتمنّى لو يعلم الناس جميعًا – كما أيقن هو – أن الجانب الآخر من الوجود لا بدّ من مراعاته، وأن المصير الحقّ لا شفيع فيه إلا الإيمان الصادق والعمل الصالح.
أُعلنت من سيارة الشرطة النتائج النهائية للمجزرة:
مقتل ستةٍ وعشرين، وجرح أحد عشر.
ساقوهم بعد ذلك إلى الثكنة، حيث قضوا ليلتهم على البلاط، وفي مساء اليوم التالي أخذوا بصمات أصابعهم العشر، ثم أُطلِق سراحهم واحدًا بعد آخر.
وعند الاستقلال، أُطلق على الشارع اسم "معدومو 17 ماي 1957م (Les Exécutés)"، كما سُمِّيت محطة من محطات ميترو الجزائر بالاسم نفسه.
كانت تلك الحادثة درسًا من دروس الحياة، علّمته الاستعداد للدار الآخرة، درسًا ينبغي وعيه والارتكان إليه.
بداية الدراسة في مصر
ظهرت فكرة الدراسة في مصر بعد عودة الأستاذ محمد الحاج الناصر منها، وقد شاع آنذاك تفوّقُه في الخط، فاقترح على المشايخ إيفاده إليها، فصار يطالب بتحقيق ذلك الحلم حتى تحقق.
أهداه الحاج الناصر حينها كتابًا – لعلّه منهاج الخطابة – فجزاه الله خيرًا.
كان حلمًا صعب المنال، لا يتحقق إلا بالمغامرة والمال، وفراق الأهل والخلّان. شاور والديه، فكسب رضاهما وقناعتهما.
ثم طلب إذن السفر إلى مصر من مركز جيش وجبهة التحرير الوطني الجزائري في تونس، فاستجابوا لطلبه، ووفّروا له منحةً دراسية شهرية لمدة خمس سنوات قضى خلالها التحصيل بالقاهرة، وتلقى منحة مماثلة من مصر، التي امتدّ كرمها حتى منحت كل طالب وافد متخرّج تذكرة رجوع إلى وطنه.
وللبلدين – الجزائر ومصر – فضلٌ عليه في التحصيل والتكريم.
دخل مصر بحفظ الله وسلامته يوم 29 جمادى الأولى 1377هـ / 19 يناير 1958م، ووصل إلى القاهرة منتصف العام الدراسي، في 31 جانفي 1958م، بعد مراحل شاقة وعقبات ذُلّلت بعون الله.
اصطحبه صديقه الدكتور محمد صالح ألجون إلى مدرسة تحسين الخطوط العربية (خليل آغا الثانوية)، حيث استقبله الأستاذ محمد علي المكاوي (1900–1974م). طلب منه الالتحاق بالمدرسة، فأشار بالرجوع في مطلع السنة الدراسية لاجتياز مسابقة الدخول، مع إمكانية تسجيله كطالب حرّ من الآن.
وبعد خطوات، عاد إليه مستفسرًا، معترضًا أنه أشول، فأجابه مبتسمًا: "ولو تكتب برجلك، المهم إجادة الخط."
"مع تنوع الخطوط وثرائها، يجب على الخطاط التخصص في أحدها حتى يبلغ الإتقان."
واستمر في حضور الدروس، وتسرب إلى فصل السنة الرابعة ليرى كبار الأساتذة ويقتبس من دروسهم المسطّرة على السبورة، وكان من آخر المغادرين للفصول.
اقتنى لأول مرة أمشاق الخط، وأقلام البسط، وأحبار الخطاطين. وذات يوم، وبينما كان جالسًا في الصف الأمامي، وجّه إليه أستاذه محمد رضوان (1887–1967م) – التقيّ الرؤوف – نصيحته قائلاً:
"يا بنيّ، اكتب بيمينك، فالخط وُضع باليمين ولليمين."
فنقل القلم حينًا من يده اليسرى إلى اليمنى، إذ اكتمل اقتناعه بتوجيهه.
وفي الخط، كما أدرك لاحقًا، توجد معاكسات في تسطير بعض الحروف تؤديها اليد اليمنى بيسرٍ وانسياب.
كانت تنتابه هواجس وشعور بالذنب منذ أن تعرّض أستاذه الناصر بن محمد مرموري (1927–2011م)، في إحدى دروسه بمعهد الحياة، إلى وجوب الأكل والكتابة باليمين، اقتداءً بحديث النبي ﷺ وتبركًا به، وقد أدرك أنه يعنيه تلميحًا.
أصيب بمعاناة شديدة، وكان حينها في الثالثة والعشرين من عمره. كان اتباع السنّة ونصيحة الأستاذين قائمين أمامه، فلا حيلة له في تجاوزهما إلا بعون الله وتوفيقه.
وفي تلك الليلة بدأ التمارين، وكان القلم يخطئ الاستمداد من فم المحبرة إلا بعد محاولات متكررة. ضاعف أوقات التدريب، وكتب بـ"الحكك" (الطبشور) على السبورة لتقوية عضلات الأصابع وتليينها. فاستراحت نفسه كالتائب من ذنبه توبةً نصوحًا، وحمد الله – ولا يزال يحمده – على هذا التوفيق.
ولما انتظم في كلية الفنون الجميلة، كان يكتب محاضرات تاريخ الفن والتشريح باليسرى أثناء الإملاء لسرعتها، ثم يعود إلى البيت فيخطّها باليمين، إمعانًا في التدريب وتقوية اليد.
ذكريات في ديار الغربة
ورغم رخاء تلك الفترة، كانت المنحة مزجاة، فكان يضطر أحيانًا إلى الاستغناء عن الطبخ تقشّفًا.
وكانوا – يومًا – اثنين لا ثالث لهما، داهمهما الجوع ليومين كاملين، ولم يكونا يقترضان، إذ لا قريب في الغربة يُستعان به، ولا حميم يُركن إليه.
وفي اليوم الثالث قلّب جميع الجيوب، فوجد في بذلة الرياضة القديمة ورقةً من فئة عشرة قروش، فأسرع إلى السوق، واشترى فولًا مدمّسًا ورغيفًا بلديًا.
أكلا يومها ألذَّ طعامٍ ذاقه في حياته، وحمد الله على نعمته وفضله.
ومرّةً أخرى خلت الجيوب ثلاثة أيام، وعاد من الكلية ظهرًا، فقال له صديقه صالح خرفي:
"لقد وجدت في النملية (خزانة المطبخ) قطعةَ كسرةٍ يابسة وحبّةَ فلفلٍ حارّ، فقضمتها، فاسمح لي."
فابتسم وقال له:
"بالصحة والعافية، وأنت تعلم أنني لا أطيق الحار."
وكان صديقه منذ ثلاثة أيام يتردد على الإذاعة، علّه يجد منحته قد وصلت، وهي جنيهان أو ثلاثة، مكافأة لأحاديث يكتبها لركن الجزائر.
وفي صباح اليوم الرابع، جاء مبتهجًا منتعشًا، محمّلًا بالطعام، فحمد الله على كرمه، من غير ذلّ السؤال، ولا همّ الاقتراض.
شهادة خطاط
شارك في مسابقة الدخول إلى مدرسة تحسين الخطوط العربية بالقاهرة ونجح فيها، وواصل دراسته خلال السنوات الأربع باجتهاد ومواظبة، حتى كان أستاذه حسن مكاوي يقدّمه إلى السبورة لرسم دروس الزخرفة لزملائه.
وفي السنة الرابعة (1381هـ/1962م)، وعند أول درس من أستاذه إبراهيم صالح، لاحظ هذا الأخير قائلاً "إن خطك في الرقعة دون مستواك في الثلث، فعليك بِمَشْقِ محمد عزت (1306هـ/1889م)."
استعار نسخة أصلية عثمانية من زميله الخطاط الأستاذ عبد الحميد إسكندر، وضاعف التمارين منها، وبما أنّ المغاربة لا يستعملون الرقعة مثل المشارقة، فقد كان لاتباعه نصيحة أستاذه أثرٌ بالغ جعله متفوقًا فيها على أقرانه.
نال المرتبة الأولى في خطي الرقعة والثلث العادي، والمرتبة الثانية على مجموع مدارس جمهورية مصر.
شهادة التخصص والتذهيب
تابع في السنة الأولى تخصص التذهيب وجزءًا من الثانية سنة 1963م، وبعد سبع سنوات شارك في امتحان التخرج سنة 1390هـ/1970م، ففاز بالمرتبة الثانية في عموم مدارس مصر، وبالمرتبة الأولى في مادتي الثلث الجلي والزخرفة.
ومن أجمل مظاهر التعليم في مصر تكريم الأوائل من مختلف المدارس والتخصصات في مناسبة عيد العلم، التي يحضرها رئيس الجمهورية وتوزّع خلالها الجوائز، ويُسلَّم كتاب يحمل أسماء المكرَّمين.
"لا مناص من التقدم التكنولوجي، لكن يجب التعاون بين الخطاطين والتقنيين للوصول إلى أساليب تحفظ جمال الخط وتوازنه."
شهادة بكالوريوس كلية الفنون الجميلة
كانت الدراسة في مدرسة تحسين الخطوط العربية تُجرى مساءً، وكانت رغبته وغربته تدفعانه إلى طلب تعليم أعلى ومنحة دراسية أرفع.
تابع دروساً خصوصية في الرسم، وشارك في مسابقة الدخول إلى كلية الفنون الجميلة بالزمالك سنة 1378هـ/1958-1959م، فتمّ قبوله بشرط النجاح في لغة ثالثة قبل التخرّج غير العربية والفرنسية.
اختار اللغة الإيطالية لأنها كانت تُدرّس اختياريًا في الكلية، وانتسب ليلاً إلى معهد "دانتي أليغياري" (Società Nazionale Dante Alighieri) لإتقانها والوفاء بشرط القبول.
تخرّج سنة 1383هـ/1963م في قسم الحفر بنسبة 62.93%، وكان اهتمامه الأكبر منصبًّا على الرسم دون الخط.
جاء موضوع تخرّجه بعنوان "مساجد القاهرة"، حيث رسم معالمها متأثرًا بأجوائها القدسية، وجلال عمارتها، وروعة مآذنها ومحاريبها، وبدائع خطوطها وزخارفها.
وقد وسّعت هذه الدراسة مداركه الفنية فكانت رفدًا لفنّ الخط، كما تلقّى في الكلية دروسًا في الخط الكوفي والديواني على يد أستاذه محمد علي المكاوي، الذي كان يصحبه من الكلية إلى مدرسة تحسين الخطوط العربية.
مع أساتذته
كان أستاذه سيد إبراهيم (1897–1994م) يعدّه من أخلص تلاميذه، ويثني عليه مثيرًا همّته في التحصيل، ومعظّمًا كفاح الجزائر، وكان يدعوه إلى الركوب معه في سيارة كريمته التي تعيده إلى منزله بحيّ العجوزة.
وحظي أيضاً بتقدير أستاذه محمد عبد القادر (1917–1997م)، وبعد عقدين من الزمان التقيا معًا في عضوية لجنة تحكيم المسابقة الدولية لفن الخط بدورتين في إسطنبول.
ويوم درّسهم الأستاذ صلاح الدين العقاد في مادة التخصّص طريقة حلّ الذهب للزخرفة، خصّه بإتمام الدرس في بيته العامر.
كما دعاه أستاذه أحمد بهجت إلى منزله وعلّمه طريقة رسم أرضية شهادة معهد الحياة عندما استرشده في ذلك.
وكان معروفًا بحسن الودّ والعرفان والتبجيل نحو أساتذته، مواظبًا في تحصيله العلمي، مقدّرًا حاجته لخبرتهم وتوجيههم، سائلاً الله أن يجزيهم خير الجزاء.
وقد تابع في مصر مناهج ثلاث مدارس في وقت واحد صباحًا ومساءً وليلاً، ليغتنم وقته في التحصيل ويبتعد عن الملهيات.
إجازة الخط من سيد إبراهيم
بعد نيله شهادة الخطاط استأذن أستاذه سيد إبراهيم في إعداد إجازة على النهج القديم.
وترتقي هذه الإجازة بالسند الخطي إلى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
تمرّن على خطوطها وعرضها على أستاذه مرارًا إلى أن وافق على مستواها، فذيّلها بإذن الكَتَبة سنة 1383هـ/1969م، ثم زخرفها بالذهب بنفسه.
"إتقان الخط يحتاج صبرًا، تمرينًا مستمرًا، وإنفاقًا على الأدوات والمواد عالية الجودة."
الصداقة في مصر
لم يُوسّع دائرة معارفه في مصر لانشغاله بالتّحصيل العلمي، غير أنّه احتفظ بصداقات قليلة راسخة، من أبرزها صداقته بزميله في الكلية وفريق كرة القدم ممدوح أحمد حسنين، الذي رغّبه في التخصّص بقسم الحفر لاتّصاله بالطباعة، وكان قد سبقه إليه بسنتين.
عرّفه ممدوح بوالديه الطيّبين، واستمرّت بينهم الزيارات حتى بعد تخرّجه وسفره إلى الكويت لتدريس مادة الرسم. وقد بلغت ثقته به أن صادف موعد إحدى المسابقات الفنية موعدًا لخطيبته، فطلب منه الذهاب نيابةً عنه لتقديم الاعتذار، غير أنّ الله سلّم ووجد بديلاً في آخر لحظة.
كما شجّعه على المشاركة في برنامج الشباب الخاصّ بتوسيع قناة السويس بالإسماعيلية خلال العطلة الصيفية. كان المخيّم رائعاً، تحيط به مناظر مدهشة، لاسيّما رؤية السفن العابرة للقنال من بعيد وسط الرمال الصحراوية.
ونظراً لمشاركته في ذلك البرنامج مع أربعة طلاب أردنيين، حظي بزيارة خاصّة لمدينة بورسعيد من قِبل المنظّمين تقديرًا لهم كوافدين. وقدّمت الإعلامية آمال فهمي برنامجها الشهير «على الناصية" خصيصًا للمشاركين، ولمّا عرفت بوجود طالب جزائري بينهم، طلبت منه إهداء تحيّة إلى الجزائر، فأنشد قائلاً:
"يا طير يا طاير خذ البشائر، ... وأحمل تحيّة إلى الجزائر."
وتعرّف كذلك على أسرة مدرّسته الإيطالية إدفيدج بنّيني (Edvige Benigni)، فتوثّقت بينه وبين هاتين الأسرتين صلات المودّة والتقدير الخالص، وفاءً لذكريات الصداقة الدراسية.
الزواج والعمل في الجزائر
كان قد خطب قبل سفره إلى مصر شريفة، ابنة عمّه محمد بن بالحاج شريفي، الشهيد بالبليدة، الذي أُطلق اسمه على المؤسسة العمومية الاستشفائية بالقرارة –مسقط رأسه– وكذلك على متوسطة بأولاد يعيش بالبليدة، حيث كانت تجارته أثناء ثورة التحرير سنة 1959م، قبل أن يغتاله المستعمر دون أن يُعرف له قبر.
بعد التخرّج، عاد مباشرة إلى الجزائر، فأقام له والده عرسًا بهيجًا يوم 22 ديسمبر 1963م، دامت احتفالاته أسبوعًا، أعقبته ليلة الثامن حملة وادي زقرير رحمةً لبلدة القرارة.
رزق من الأبناء: نور الدين، عائشة، رضا، أسماء، وراضية.
وفي سنة 1384هـ/1964م اشتغل خطّاطًا في مطبعة المعهد التربوي لإصدار الكتب المدرسية، حيث تعرّف على الرسّام الفرنسي أندريه بيتي، فاستفاد من خبراته في مجال الإعلان، وقدّما معًا أعمالاً فنية مشتركة أثرت الساحة الجزائرية.
أنجز كتابات واجهات المحلات بالخطين العربي واللاتيني، وأسماء الشوارع وأرقام السيارات، ومحاريب المساجد وشواهد القبور، كما ساهم في تصميم الكتابات على العملة الجزائرية والشهادات المدرسية.
التدريس في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة
عُيّن في 5 نوفمبر 1964م لتدريس الخط العربي في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة، بصفة متعاقد حرّ لمادة اختيارية في البداية، ثم سعى إلى ترسيمها كسائر المواد الأخرى.
كان هدفه المحافظة على المستوى الفني الأكاديمي للخط العربي، وجعل تدريسه حافزًا لإتقانه ونشره بوصفه فنًا أصيلاً من تراث الأمة.
وعندما تقدّم بطلب ترسيمه، أجابه أحد مسؤولي الوزارة بقوله : "إن المدرسة عليا، –وما كانت عليا آنذاك"، مشيرًا إلى ضرورة حصوله على شهادة عليا.
كان ذلك الردّ دافعًا له إلى التحدّي والعودة مجددًا إلى مقاعد الدراسة الجامعية. ورغم ما أثاره في نفسه من استياء حينها، إلا أنّه أدرك بعد سنوات أنّه مدين لذلك المسؤول الذي حفّزه بردّه إلى مواصلة التدرّج في مسار العلم حتى نال أعلى شهادة أكاديمية –الأستاذية.
درّس في المدرسة عشر سنوات متواصلة، مستحضرًا قول الحق تعالى:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216].
"برع المسلمون في تحسين حروف المصحف الشريف تقديسًا للكتابة والفن."
جامعة الجزائر
بعد سنوات من العمل والتدريس، طرق باب جامعة الجزائر، غير أنّ الأمور لم تتيسّر في البداية، لأنّ دراسته السابقة كانت فنية وعملية، ففُرض عليه إعداد شهادة نظرية لمدة عام دراسي كامل تمكّنه من التسجيل في الدراسات العليا.
درس مادة الفن الحديث على يد الأستاذ الفنان سمير رافع، ونجح فيها بعون الله.
اختار موضوع أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه (الدور الثالث) بعنوان: "خطوط المصاحف عند المشارقة والمغاربة"، فكان موضوعًا فريدًا استلزم تنقّلات واسعة إلى مكتبات تونس، والمغرب، وإسبانيا، وفرنسا، ومصر، وتركيا، والعراق، وصولاً إلى طشقند بأوزبكستان، حيث حظي هناك بتصفّح المصحف المنسوب إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه.
شكّل هذا البحث لاحقًا أهمّ مرجعٍ له في كتابة المصاحف.
تعاقب على الإشراف عليه الأساتذة الدكتور أحمد فكري والدكتور إبراهيم جمعة من مصر، والدكتور رشيد بورويبة من الجزائر، ودام إعداد البحث سبع سنوات كاملة، نوقش بعدها سنة 1976م ونال عنه تقديرًا "جيّد جداً." وقد طُبع البحث ثلاث مرّات.
بعد الجهد الكبير الذي بذله في كتابة ثلاثة مصاحف كاملة، أصيب بضعف في البصر، فاقتصر نشاطه بعدها على تدريس الخط العربي.
ومع ذلك، عاد مرة أخرى إلى جامعة الجزائر، وهذه المرة كانت الطريق ممهدة، لنيل دكتوراه الدولة، فاختار عنوانًا جديدًا لأطروحته:
"اللوحات الخطية في الفن العربي المركّبة بخط الثلث الجلي."
وقد أوضح أنّ الكتابة العادية والتأليف لا تُجهدان النظر مثل الخط الأصيل.
أشرف على البحث الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله، ثم الأستاذ الدكتور ناصر الدين سعدوني، ونوقش سنة 1997م بتقدير "مشرّف جدًا."
طُبع البحث في دار ابن كثير ودار القادري بدمشق وبيروت سنة 1419هـ/1998م، ثم في دار ابن باديس بالجزائر سنة 2011م.
المدرسة الوطنية للفنون الجميلة
مرّت الأعوام، وأصبحت المدرسة الوطنية للفنون الجميلة مؤسسة عليا، فوجد نفسه جديرًا بها بفضل شهاداته العليا.
تدرّج في مناصبها من أستاذ مساعد إلى محاضر سنة 1997م، ثم إلى درجة الأستاذية سنة 2003م.
انتُخب سنة 2002م رئيسًا للمجلس التربوي، واستمر في مهامه حتى تقاعده، كما كان عضوًا في المجلس التوجيهي حتى سنة 2011م.
وبعد تسعةٍ وأربعين عامًا من التدريس (1964-2013م)، اختار التقاعد حين أدرك تضاؤل جهده في الحصة الدراسية التالية.
دروس الخط العربي
درّس في المدرسة الخط الكوفي وأنواعًا أخرى من الخطوط لطلبة العمارة والفنون، فدفعه ذلك إلى إعداد أمشاق تعليمية تجمع بين المنهجين القديم والحديث، تحت عنوان:
"دروس الخط العربي"، وتشمل:
خط النسخ (1400هـ/1980م)
خط الرقعة (1401هـ/1981م)
خط الثلث (1407هـ/1987م)
الخط الفارسي (التعليق) (1408هـ/1988م)
الخط الديواني (1411هـ/1991م)
دروس الخط العربي للناشئة (1416هـ/1995م)
وقد طُبعت هذه المؤلفات عدة مرات، واعتمدت مراجع أساسية للتدريس في تعليم فنون الخط العربي.
"القراءة والكتابة صنوان من نفس الدرجة؛ وللنهوض بالخط العربي يجب تكوين المعلمين على قواعده الأصلية، وتوفير بيئة محفزة ومنافسة صحية."
إجازة حامد الآمدي
تحصّل على منحة دراسية إلى إسطنبول لمدة أربعة أشهر، في إطار الاتفاقية الثقافية الجزائرية–التركية، وذلك خلال الفترة الممتدة من سبتمبر إلى ديسمبر سنة 1969م. استغلّ هذه المنحة لدراسة فنّ الخط وتحضير بحثه بجامعة الجزائر.
دلّوه هناك على قامة الخطاطين في تركيا، الأستاذ موسى عزمي حامد الآمدي (1309–1402هـ / 1891–1982م)، فتابع دروسه في مكتبه، يعرض عليه ما يكتبه للتصحيح والتعليم، كما كان الأستاذ حامد يعرض عليه خطوط أفاريز الجوامع المبهرة التي وضع أصولها.
اختُتمت هذه التجربة بالحصول على إجازة في خطّي الثّلث والنّسخ، واستفاد خلال إقامته في إسطنبول من نصائح الأستاذ حامد وخبرته الطويلة. كما تابع بعض دروس الزخرفة في مرسم الدكتور سهيل أنور بجامعة إسطنبول، حيث أطلعه على عدد من مصادره الخطية القيّمة.
وتعرّف خلال إقامته على الدكتور أوغور درمان، واستفاد من توجيهاته، ورافق أستاذه حامد لحضور محاضرة له في جامعة إسطنبول. كما اصطحبه الإمام يوسف – الخطاط والإمام الخطيب – إلى زيارة الأستاذ نجم الدين أوقياي (1883–1976م) في بيته.
واجتمع غير مرة مع الدكتور نهاد جتين في مكتبة الجامعة، فأرشده إلى أهم مصادر الخط العربي، وتكرّم بإهدائه القاموس النادر تحفة خطاطين لمستقيم زاده.
ثم واصل زياراته إلى مكتبات إسطنبول، والسليمانية، ومتحف توب كابي، وغيرها من المتاحف والمساجد والأسواق التي تزخر بها مدينتا إسطنبول وبورصة، بحثًا عن النماذج الخطية والمصادر النادرة.
المسابقة الدولية لفن الخط بإسطنبول
في سنة 1980م، أقيم ملتقى الفكر الإسلامي بالجزائر، وكان موضوعه القرآن الكريم. طُلِب منه المشاركة ببحث حول المصاحف، وبعد عرض مداخلته التقاه الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلي، مدير مركز "إرسيكا"، مثنيًا على البحث، وأخبره عن ملتقى سيُنظَّم بعد عامين بعنوان المبادئ والأشكال والمضامين المشتركة، ودعاه للمشاركة فيه.
قُبل بحثه وقدّمه في الملتقى، فنال إعجاب اللجنة. وبعد انتهاء الملتقى، عرض الدكتور أكمل الدين على الخطاطين المشاركين مشروع النهوض بالخط العربي.
دُعي بعد ذلك إلى أول اجتماع تحضيري، غير أن الدعوة والتذكرة لم تصلا في الموعد. ثم تلقّى دعوة جديدة للمشاركة عضوًا في لجنة التحكيم لأول مسابقة دولية باسم حامد الآمدي، وتوالت مشاركته في ستّ مسابقات، كانت تُعقد في إسطنبول مرتين كل ثلاث سنوات: الأولى لمناقشة المواضيع، والثانية للتحكيم.
لاحقًا، أصبح عضوًا شرفيًّا في عهد المديرين الدكتورين أكمل الدين إحسان أوغلي وخالد أرن، ثم عضوًا في الهيئة الاستشارية.
وقد أتاح له هذا العمل الاطلاع الواسع على تطوّر الخط العربي في العالم، من خلال ما اقتناه المركز من أعمال جادّة ودراسات متخصّصة، وما أبدعه أئمة الخطاطين من لوحات فنية متميّزة.
استكتاب مصحف قطر
أُعلن عن مسابقة دولية لكتابة المصحف الشريف، فاختير عضوًا في لجنة تحضير مصحف قطر، برئاسة الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلي، إلى جانب الأستاذ حسن جلبي، والدكتور أوغور درمان، والأستاذ محمد داود التميمي مقرّرًا.
كان الأستاذ الدكتور خليفة بن جاسم الكواري رئيس اللجنة المشرفة على المشروع، فأداره بكفاءة عالية. وتوالت الاجتماعات في الدوحة وإسطنبول، في عهد وزير الأوقاف والشؤون الدينية سعادة السيد أحمد بن عبد الله المري.
وقد كُلّف نيابة عن لجنة التحكيم، خلال الاجتماع الثالث في الدوحة، بتوقيع الاتفاق مع الخطاطين: الأستاذ عبيدة محمد صالح البنكي من سوريا، والأستاذ صباح مغديد الإربيلي من العراق.
وانتهت النتائج إلى فوز الأستاذ عبيدة البنكي بالمرتبة الأولى، والأستاذ صباح الإربيلي بالمرتبة الثانية.
المهرجان الدولي الثقافي لفن الخط العربي
منذ سنة 2007م، تنظم الجزائر المهرجان الدولي الثقافي لفن الخط العربي سنويًّا، بمشاركة خطاطين من مختلف القارات، لإقامة معارضهم الفنية والتنافس على جوائز قيّمة لفئتي الخط الأصيل والخط الحروفي أو المعاصر.
أُسندت إليه رئاسة لجنة التحكيم في هذا المهرجان، فكان له صدى واسع، إذ أتاح للخطاطين التعارف وتبادل الخبرات، وأُلقيت خلاله محاضرات متخصصة في فن الخط العربي.
كما يقام مهرجان مماثل لفن المنمنمات والزخرفة الإسلامية، وقد دُمج المهرجانان أخيرًا في تظاهرة واحدة تُقام سنويًّا.
كتابة المصاحف الشريفة
بدأت رغبته في كتابة المصاحف منذ أن كان طالبًا في مصر، حيث كان وردُه اليومي من مصحف الحافظ عثمان، ثم الرشدي، متمرنًا على أساليب النسخ، وهو الخطّ الأكثر شيوعًا في الصحف والكتب المدرسية.
سعى إلى جمع رواية ورش السائدة في بلاد المغرب بخط النسخ، ويُعدّ من أوائل من كتبوا مصحفًا كاملًا بهذا الجمع. كتب جزء عمّ وعرضه على الشيخ عامر عثمان بمصر، وبعد مناقشات مع لجنة جزائرية برئاسة الشيخ محمد باباعمر وعضوية المشايخ محمد شارف وأحمد تيجاني باشن وعبد العزيز زاويدي وبكير بن محمد الشيخ بالحاج، أُجيز طبعه.
وقد شجعه ذلك على مواصلة كتابة ستة مصاحف شريفة، راجيًا من الله تعالى قبولها برحمته ورضاه.
جزء عمّ: رواية ورش، 13 سطرًا – 1389هـ / 1969م.
المصحف الأول: رواية ورش، 15 سطرًا – القرارة، 26 رمضان 1398هـ / 1978م.
المصحف الثاني: رواية ورش، 13 سطرًا – الجزائر، 20 رمضان 1403هـ / 1983م.
المصحف الثالث: رواية حفص، 13 سطرًا – القرارة، 18 رجب 1411هـ / 1991م.
المصحف الرابع: رواية ورش، 15 سطرًا – الجزائر، 1 ربيع الأول 1424هـ / 2004م.
المصحف الخامس: رواية ورش، 17 سطرًا – الجزائر، 18 رمضان 1432هـ / 2011م.
المصحف السادس: رواية حفص، 15 سطرًا – الجزائر، 29 جمادى الأولى 1438هـ / 2017م.
الجوائز والتكريمات
حظي الدكتور محمد شريفي - على امتداد مسيرة زاخرة بالإبداع والتميّز - بعديد الجوائز المرموقة على الصعيدين المحلي والدولي، والتي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
تكريم في المهرجان الدولي للخط العربي – المدية: المهرجان أقيم من 28 إلى 31 أكتوبر 2024م.
تكريم من وزارة الثقافة في ختام المهرجان الوطني الافتراضي للخط العربي والزخرفة والمنمنمات، 2020م.
درع محبرة التراث من مخبر المخطوطات (أدرار)، 2016م.
جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب (فئة الخط العربي)، 2015م.
جائزة تقديرية في مهرجان بغداد الدولي – الدورة الثانية، ذُو القعدة 1413هـ ≈ أبريل 1993م.
جائزة تقديرية في مهرجان بغداد الدولي للخط والزخرفة الإسلامية – الدورة الأولى، رمضان 1408هـ ≈ أبريل 1988م.
شهادة تقدير من رئيس الجمهورية الجزائرية في الذكرى الـ 25 لاسترجاع الاستقلال، 1987م.
لمحات يوضحها سؤال… ويشرحها جواب
ما الأثر الذي خلّفته فيكم مرحلة التمدرس في مصر؟
كان لبيئة القاهرة أثر بالغ في تكويني الفني؛ مساجدها بعمارتها وزخارفها وخطوطها سحرتني، حتى أن مشروع تخرجي من كلية الفنون الجميلة كان حول "مساجد القاهرة". تأملت قدسيتها وجمالها العمراني والفني، فآثرت أن أجعلها موضوعًا لدراستي بدلًا من تناول نشاط جبهة التحرير كما كنت أنوي في البداية.
ما أهم الأعمال التي أنجزتموها خلال السنوات الأولى لممارستكم لفن الخط في الجزائر؟
ساهمتُ في تصميم وكتابة الشهادات الرسمية للجزائر: من الشهادات الابتدائية والثانوية إلى شهادات التعليم العالي، كما أسهمت في زخرفة العملة الجزائرية الورقية وكتابة عناوينها بالتعاون مع مطبعة بنك الجزائر. أما القطعة النحاسية ذات العشرة أضلاع فكانت من تصميمي كذلك.
ما الغاية العلمية التي كنتم تطمحون إلى بلوغها خلال سنوات الدكتوراه؟
كان هدفي كتابة أول مصحف يجمع بين رواية ورش وخط النسخ، ليكون أكثر سهولة للطلبة والمبتدئين. كتبت "جزء عمّ" بالتنسيق مع علماء الأزهر والجزائر، وعلى رأسهم الشيخ بابا عمر، وقد استغرقت المراسلات عامين حتى خرج المشروع إلى النور.
كيف ترون العلاقة بين القرآن الكريم وفنّ الخط العربي؟
أؤمن بأن القرآن الكريم خدم الخط كما أن الخط خدم المصحف الشريف، وكانت بينهما علاقة تبادلية أغنت كليهما.
هل يمكن للتقنيات الحديثة أن تحل محل براعة اليد في فن الخط؟
أما التكنولوجيا الحديثة، فأراها أداة مساعدة لا أكثر؛ فالخط الحاسوبي لا يمكن أن يضاهي جمال اليد مهما تطورت برمجياته، لكنه قد يسهم في ضبط المسافات وتوازن الأسطر.
ما هي رسالتكم للشباب الجزائري اليوم؟
في كل أرجاء الوطن مواهب متناثرة تنتظر الفرصة، وقد كنت مثالًا لذلك: شابًا من الصحراء بلا أساتذة ولا نماذج، وفقني الله لتطوير خطي. وما وُفّقت إليه يمكن أن يتكرر مع آخرين إذا وُجدت بيئة داعمة.

Podcast الوسام
محتوى سمعي من انتاج مؤسسة وسام العالم الجزائري, تابعنا على:
google-podcast spotify apple-podcast