أ.د.طه كوزي
بسم الله أبدأ كلامي، وعلى المصطفى ألقي سلامي، وللملأ الميمون أكنّ لهم احترامي...
السادة العلماء؛ السادة الحكماء؛ السادة النبلاء؛ أصحاب المعالي؛ أصحاب السعادة: أيها الأحبّة من كل حدْب وصَوْب، من كل نقطة من هذا البلد العزيز أحييكم بتحية الإسلام:
سلام الله عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته
سألتُه يوما: ماذا تعرف عن "الزيبان"؟ تلعثم، تردّد ولم يجب! سألْته مجدَّدا: قلتُ له: ماذا تعرف عن "تْواتْ" و"أوْلَفْ"؟ هل سمعت بها يوما؟ احمرَّ وجهُه، انتفختْ أوداجُه؛ وقال: لا أعلم!
سألتُه هل تعرف: "ابن باديس"، "الإبراهيمي"، "مالك بن نبي"؟ سألته مقرعا: ماذا تعرف عن آبائك وأمّهاتك؟ فقال: ربما أعرف الواحد أو الاثنين؛ وأكثر من ذلك لا أعرف!
سألْته كم ولايةً زرْت في هذا البلد؟ إن كنت من العاصمة فهل تعرف الشرق؟ أو كنت من الغرب فهل زرت الجنوب؟ حين أراد تعداد الربوع التي زارها لم يسْطِعْ؛ ارتجفتْ أنامله، واختلفت يداه: فلم يتجاوز الولاية أو الولايتين؛ فبطبيعة الحال لأنه لم يقطع في وطنه إلى الميل أو الميلين؟
قلت له هل تفكر في زيارة أصدقائك وجيرتك؟ وأنت في الثانوي على الأقل لكي تعْرف أنّ لوطنك شمالا، وجنوبا، وأن له شرقا وغربا؛ فقال لي ربما؛ فهو لم يتعوّد أن يصوغ خطة، أو أن يخُطّ برنامجا أو مستقبلا...
في حوار مع هذا الشاب من الثانوي من مدرسة جزائرية؛ عاد إلى ذهني طيفُ ذاك الرجل من السودان: رجل أكاديمي عالم: سألتُه يوما في ملتقى علمي دولي: ما بالكم، سيدي، قبِلتم بتقسيم السودان!؟ ما دهاكم قبِلْتم هذا السكين ينحَر حبائل المجتمع السوداني وأوصاله؟ دمعتْ عيناه؛ وقال لي: أصدقك القول: نحن في شمال السودان؛ لم نحس يوما بأن لنا جنوبا!!!
لقدْ علّمتنا "التجربة السودانية" أن ضعفنا، وجهلنا، وإدراكنا الجغرافيّ الضيق هو السكين الذي تقْطع به الأوطان؛ وهو ذاك السيف الذي تقَطّع به الأرحام، وهو المقصلة التي تُنْقض بها الأوصال بين كل محب وحبيب... التفتُّ إلى ذلك الشاب وقلت له: يا هذا تحرَّك وانطلق! فوطنك الجزائر رحْبٌ واسعٌ صدرُه، منشرح لك؛ مهما كان موقعك وموضعك: جنوبيا أم شماليا، شرقيا أم غربيا؛ فاسعَد واستبشِرْ! فأنت في وطن اسمه: الجزائر.
مؤسسة "وسام العالم الجزائري" سادتي في ذكراها العاشرة؛ ونحن نعلم ما للرقم "عشرة" من السحر والرنين، إنها عشرة كاملة ابتدأت يوما سنة 2007 في قاعة صغيرة بمعهد المناهج؛ الذي آوى هذه "الفكرة البذرة" واحتضنها، وسهر عليها رعاية وعناية... في ذلك اليوم 02 من ماي 2007 كان عدد المدعوين والحضور في القاعة 70 ضيفا، أما اليوم، بعد سنوات عشر، فعدد الذين يخدُمونكم –سادتي- 70 منظِّما...
قد تشاهدون، في هذا الحفل، بعض الوجوه ولكنها ليست هي التي أنْجزت الحفل، وحدها، فهذا المحفل: ثمرة عمل جماعي مكابد متواصل بإذن الله...
"وسام العالم الجزائري"، في ذكراه العاشرة، اختار أن يحتفي بالمعلم والمربي الذي أنجب للجزائر علماءها، فكم هي ثقيلة أن تعيد المعلم والعالم معًا إلى "مركز الثقل" في مجتمعنا، هي مهمة صعبة وشاقة؛ فأنبأنا إخواننا في وسائل الإعلام: أنتم أيضا مسؤولونا معنا في الاحتفاء بالمعلم والمربِّي؛ وأنتم في هيئات التحرير وغرف التحرير، وقلنا لرجال التربية ونسائها، اليوم، أنتم مسؤولون أيضا عن تكريم المعلم والعالم: في المقرر، في البرنامج، في البيداغوجيا...
ما استطعنا أن نقدمه في وسام العالم الجزائري حاولنا استفراغ الجهد فيه: طرقنا أبواب عدة؛ سافرنا شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، وصدقوني، كما عهدناه كل سنة؛ فإننا في "وسام العالم الجزائري" نكتشف معكم "عالما" و"معلما مربيا"، ونكتشف معكم رحِما، ونكتشف معكم: أبا وأُمًّا وأسْرة: احتضنت أحد علماء الجزائر، واعْتنتْ به فتى وفسيلة، وربّته وتعهدتْه حتى عُدَّ عالما بين الخلائق...
في كل سنة؛ نكتشف جهلنا قبل أن نكتشف علْمنا؛ فبمناسبة الذكرى العاشرة نبسط أمامكم عذرنا واعتذارنا عن تقصيرنا وقصورنا؛ فلو كنا أشد عودا، و أكثر فقها، و أجْمل علما: لكان حالنا اليوم في الذكرى العاشرة أفضل و أفقه و أرفع...
وسام العالم الجزائري لسنة 2017: اعتذار إلى سيدنا عمر رضي الله عنه، وبرقية عاجلة إليه: نعتذر إليه أننا أضعنا أمانة كان قدْ سلَّمه إياها "بطريرك القدس" يوما، وقد جاءه سيدنا "عمر" راجلا؛ يتبادل الراحلة مع صاحبه ورفيقه إلى "القدس"...
نعتذر بين يدي سيدنا عمر رضي الله عنه: لأننا حين ائتمنّا على "كنيسة القيامة" الى "يوم القيامة" واستوثقنا عليها؛ أضعناها، ولم نرق إلى أفقها ومستواها...
وسام العالم الجزائري لسنة 2017، في ذكراه العاشرة، رسالة إلى القدس، برقية إلى الأقصى، فنحن إذ قرأنا على وقع مفدي: يا فرنسا قد مضى وقت العتاب فاستعدي؛ فنحن، بعد ذلك، نقول لكل مستعمر، لكل عابث لكل صهيوني فاجر: "قد مضى وقت العتاب"؛ إلا أننا سادتي نعتقد، ونحن نحتفي بوسام العالم الجزائري، أنّ فتح "القدس" يستدعي سادتي أن نفتح قلوبنا مشرعة لبعضنا البعض ابتداءً؛ و"فتح القدس" أيضا يقتضي أولا أن نفتح عقولنا للكتاب، للحفْر، للفكرة... فإن نحن فزنا في امتحان العقل واختبار القلب؛ صار التمكين للأقصى قدَرا محتوما، وفتح القدس ثمرة حضارية محققة بإذن الله تعالى.
"حفل وسام العالم الجزائري" هذه السنة في الذكرى العاشرة الجامعة المانعة؛ سنقسمه شطرين، ونجعل المحْفل لعرُوسيْن؛ ونعبُر بذلك: قارتيْن، ومناخيْن: في الأول سنطرق باب الجريحة "سوريا"، سنسافر هناك إلى "دمشق"، سندق أبواب "الغوطة" ونلقي التحية على "ركن الدين"، سنطرق مداخل "الميسات"، وسنعبر "ساحة المرجة"، ونغرف شربة من "نهر بردى"، سنيمِّم شطر "جبل قسيون": بشموخه، وجماله، وعظمته.
سنبوح لإخواننا في سوريا بتقاعسنا وعجزنا: سادتي إخواني أحبتي في "سورية": لم نكن في مستوى النصرة؛ بعيدا عن تجاذبات السياسة، بعيدا عن أجندات المصالح، سادتي: قصّرنا في حقكم فعذرا وألف عذر...
جعلنا عذرنا تكريما لرجل من أقصى دمشق: من حي "البرامكة"، ولدار نشر احتضنت رجلا جزائريا، ولأننا، في وسام العالم الجزائري، نكفر بتلك المسطرة التي رسمت أوطاننا وبلداننا وحدودنا الجغرافي، رسمتها لتفتّت أمتنا ولم تعتبر فينا أننا وشيجة من لحم ودم...
نقف تكريما لرجل فاضل اسمه الأستاذ: "محمد عدنان سالم" هذا الرجل الشامخ نكرمه علّنا نكفر عن خطايانا، علنا نكفِّر عن أخطائنا؛ فقد نصر عالما، ومفكِّرا كونيا اسمه: مالك بن نبي، حين كان "مالك" طريدا أعزلا أمام جبهتين، يواجه، في الأولى، الاستعمار بجبروته وغطرسته، وفي الثانية، يواجه عددا من القابلين للاستعمار من بعض بني جلدته؛ حاصره الجمعان والفريقان؛ فوجد نصرة في "مجالس دمشق" وجد أهلا له وأبناءً هنالك في "دار الفكر"...
سادتي: في الشطر الأول من هذا الحفل الأول: رحلة مجانية إلى دمشق بإذن الله؛ سنجلس إلى الأستاذ "عدنان سالم" متتلمذين في فكره وجهده ومنشطه، مستذكرين فكر "مالك بن نبي" وناظرين طيفه.
أما في الفقرة الثانية؛ فسنتنازل، جميعا، عن: ألقابنا، وأسمائنا، وبراقشنا: الأكاديمية، وأسمائنا السياسية، والدبلوماسية، والعسكرية لرجل آخر اسمه "المعلم الجزائري"؛ فاليوم نرفع في هذه الدار: نسبَ المعلم والمربي واسمه وناصيته.
قال لنا البروفيسور "أحمد جبار" إن الرجل العسكري في هذا البلد حمى الوطن من أن ينزلق إلى أتون الفتنة ونيران الحرب الأهلية في التسعينيات؛ لكنه قدم إضافة رائعة حين قال إن الرجل الشريك له في هذه المهمة: هو ذاك "المعلم المربي" الذي تأبط محفظته، وشد مئزره: ومضى يواجه الرصاص، والموت، والقنابل بصدره، ومحبرته، وقلمه، وطباشيره... يسير في الشوارع والأزقة ليصير إلى مدرسته، ويعلِّم أبناءه وفلذات كبده...
وفي تلك الفقرة الثانية: سنسافر إلى ربوع ثمانية، نكرّم مربين اصطفيناهم لا لنحصر التكريم في شخصهم، ولكن لنقول لكل معلم وكل معلمة في هذا الوطن، من خلالهم: أنتم أصحاب الفضل، وأنتم أولو الأمر، وأنتم النبلاء، وأنتم الحكماء...

Podcast الوسام
محتوى سمعي من انتاج مؤسسة وسام العالم الجزائري, تابعنا على:
google-podcast spotify apple-podcast