الاسم: المسعود

اللقب: خضور

تاريخ ومكان الميلاد: سنة 1925م بقرية أولاد سيدي احسن

                          بلدية غيلاسة – ولاية برج بوعريرج-.

 

المسعود خضور:

نحو الشرق الجزائري كانت وجهتنا أين توقفنا في قرية أثَريَّة عتيقة وصفحة تاريخية قديمة، تدعى بِقرية العيون الجارية والتُّربة الذَّهبية الخصبة، هي قرية ‹‹بُرج الغدير››، قريةُ الحقول الزراعية وأرض المصانع الطَّاقوية... استقى أهلها من مياهِها العذبة النَّقية صفاء قلوبهم وسرائرهم، ومن أرضها الخِصبة الطَّيِبة خصوبة فكرهم وعقولهم، فغَدت تربة صالحة تنبت فكرا وعلما وأملا ووعيا للوطن. 

قرية ينطبق عليها قول شاعر الثورة مفدي زكرياء أنهم قوم جنَّبهم الغَدر ماء الغَدير... من قرية برج الغدير ينحدر الأستاذ المسعود وإلى هذه الأرض ينتمي، وإلى إحدى عائلاتها الطَّاهرة ينتسب، فكان خير رجل وأستاذ مُكوِّن للأجيال مُرابط في رسالة التَّربية والتَّعليم، مُجاهدٌ صبور محبٌّ للوطن وأمل في صلاح وإصلاح أبنائه. 

النشأة والدراسة:

هو المسعود بن اعمر خضور، ولد خلال سنة 1925 بقرية أولاد سيدي احسن ببلدية ‹‹غيلاسة›› ولاية برج بوعريريج، من الأبوين: خضور اعمر والعيشوش بن حميدة.

نشأ الشيخ المسعود في عائلة بسيطة متواضعة، مصدر رزقها يقتصر على الفلاحة وما تجنيه الأيدي بِعَرق الجبين. تتكوَّن عائلة الأستاذ المسعود من 9 أولاد؛ 5 منهم ذكور و4 إناث، ويعدُّ المسعود الثاني في ترتيب الذكور في العائلة، ويعتبر الابن الوحيد الذي زاول التَّعليم القرآني، وكان ذلك برغبة من والدته الكريمة التي قال لها أحد المشايخ وهي حاملة بالمسعود، أن بطنك يحمل عالما جليلا عليك بالاهتمام لأمره وتيسير السبل له لهذه الرسالة، والذي كان خيارا صعبا، فكان السَّبيل الوحيد لتعليم ابنها هو بيع بيض الدجاج أو الاستدانة في بعض الأحيان من أجل أن يدرس الابن المسعود. 

جامع القرية كان أول محطة زاول فيها الشيخ مسيرته التعليمية، وتعلَّم حينذاك القرآن عند الشيخ عيسى عيساوي ثم انتقل إلى الشيخ "الصغير خضور" ليكمل مسيرته الدِّراسية لمدة 5 سنوات، فتأثَّر به التلميذ المسعود أيَّما تأثر، إذ ترك في قلبه أثرًا عميقا؛ فقد كان له نِعمَ الأستاذ والمربي والموجه؛ كونه كان حريصا على تعليمه ولو دون دفع تكاليف التمدرس، وحريصا على تحبيبه الصلاة وتقديرِه لها بشكل دائم. 

أكمل الشيخ المسعود المسيرة التعليمية عند الشيخ عمر بن نية، إلى أن حفظ نصف القرآن، إلا أنه انقطع عن الدراسة لمدة 4 سنوات متوجها إلى الفلاحة وكان عمره حوالي 18 سنة. 

في سنة 1945 رجع إلى مسقط رأسه في قرية أولاد سيدي احسن، فاشتغل بالفلاحة حتى سنة 1947، وبعد ذلك قرر الذهاب إلى فرنسا فعمل فيها سنتين في مدينة ‹‹ Portout›› المجاورة لإسبانيا فاشتغل فيها عاملا يوميا في قطاع المناجم لمدة 22 شهرا.

في سنة 1949 قرر الرجوع إلى الجزائر والتوجه إلى تونس، إلى جامع الزيتونة رفقة زملائه في الزاوية فدرس فيها سنة كاملة وتتلمذ على يدي مشايخ كبار وأساتذة أجلاء، من بينهم الشيخ الطاهر بن عاشور الذي درس عنده ونهل منه ومن علمه العقيدة والفقه ومبادئ الحساب.

لما اندلعت الثورة في تونس سنة 1951 خرج الشيخ المسعود وزملاؤه من تونس قهرا بسبب المضايقات التي كانوا يعانون منها هنالك، فعاد إلى أرض الوطن ليتزوج سنة 1952 من السيدة حفيظة خضور، والتي كانت خير زوجة ومؤنسة له وخير أم لأبنائه الأحد عشرة، والذين كانوا خير خلف لخير سلف، إذ رضعوا من أمهم الأخلاق الحسنة والاحترام وطيبة القلب واستقوا من أبيهم الحكمة والتواضع والعلم والصبر أمام الشدائد في سبيل حب الوطن والرسالة الإنسانية، من هؤلاء الأبناء الأستاذة والمربية التربوية والبروفيسورة والدكتورة في البيولوجيا، وأبناء ذكور أحدهم محافظ شرطة وآخرون يعملون في التجارة.

سنة 1958 أدخل السجن بسبب الثورة التحريرية فلبث 15 شهرا في سجن ‹‹مجّانة››  ببرج الغدير رفقة 61 من رفاقه منهم الحاج زواوي، مدوش، لحسن بليهالي، علي بليهالي. خرج من السجن سنة 1959 فأصبح متابعا ومضايقا من طرف السلطات الاستعمارية فقرر العودة مرة أخرى إلى فرنسا حتى وقف القتال سنة 1961 فعاد إلى أرض الوطن لمزاولة التجارة حتى استقلال الجزائر. 

المسيرة التعليمية: 

بداية مسيرته التعليمية كانت سنة 1964 باجتيازه لاختبار إثبات المستوى في 4 مارس 1964 فاحتل المرتبة الثالثة وحصل على رخصة لمزاولة التدريس فكانت بلدية ‹‹المهير›› في جبال بن داود (تبعد عن المهير بـ 25 كلم) أول قبلة ومحطة تدريسية له أين درَّس اللغة العربية، وقد كانت الظروف المعيشية صعبة، إذ كانت القرية كلها تخلو من خباز وحانوت وطباخ.

انتقل بعدها إلى مدرسة الزمالة البعيدة 4 كلم عن برج الغدير ليدرِّس فيها لمدة 7 سنوات، وكون النقل لم يكون متوفرا آنذاك كان ينتقل إليها ماشيا على الأقدام. انتقل بعد ذلك إلى مدرسة أولاد مخلوف لسنة واحدة، ثم تحول إلى مدرسة طرش الكبرى أين استقر هنالك لمدة 16 سنة وتخرج على يده العديد من الطلبة الذين كانت تربطهم به علاقة طيبة، وهي علاقة الأب مع أبنائه وذلك لإخلاصه وحبه للرسالة، حتى أن الأولياء أصبحوا يطلبون أن يدرس أبناؤهم في الأقسام التي يدرسها فيها الشيخ المسعود، وحتى أن مدير المدرسة قال له يوما للنكتة ‹‹يبدو أننا قد نخصص لك مدرسة بأكملها يا شيخ مسعود.

يقول الأستاذ المسعود: ‹‹كنت في تجارة رابحة، إلا أني عزفت عنها واشتغلت بالتعليم رغم الظروف الصعبة والتحديات الكبيرة، كنت أشعر براحة الضمير لما أرى طلبتي وأبنائي متكونين››. ولذلك فإن من أهم الدوافع التي حفزته للتعليم: حبه للعلم والوطن واعتباره العلم رسالة يجب أن تبلغ للأجيال.

خلال هذه المدة الأخيرة في سنة 1975 اجتاز المسابقة الحرة للترقية ALIA فنجح فيها ورُقّيَ إلى رتبة مساعد حتى سنة 1979، ثم إلى رتبة ممرن، فكان ممرنا في مدرسة قريته برج الغدير إلى غاية نهاية مسيرته التعليمية في سنة 1998.

مما كان يتميز به أنه كان محبا للمطالعة والقراءة، شغوفا بالمراجع والمصادر المعرفية، هذا إضافة إلى عضويته في شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ونشاطه فيها.

 

حياته بعد التعليم: 

هو حاليا إمام وشيخ روحي بزاوية قريته، وعضو فعال فيها، ومصلح لذات البين وفك النزاعات، كما يعتبر أبا مرشدا للقرية لا يعرف للكسل معنى.

 

شهادات عن الأستاذ:

محمد خبابة:

‹‹كان يعاني من قسوة ظروفه الحياتية والعملية كبُعد مقر التدريس عن المنزل، ولكن رغم ذلك تحدى الصعاب وأخلص في تبليغ رسالته››.

إسماعيل بن حريرة: 

‹‹يتميز عمي المسعود بكونه من عائلة محترمة وعائلة للعلم، مؤمن بالله والوطن، خلوق وعالم مصلح في المجتمع، وكذا عضو فعال في بناء المؤسسات الخيرية والمدارس والمساجد››.

أحمد بن اعبيد:

‹‹هو أب ومرب في نفس الوقت، جِدي مثابر متواضع ومحبوب لدى الجميع››.

مراد خضور: 

‹‹نشيط عازم مثابر لا يعرف للخمول معنى، خادم للقرآن، وللعلم وطلبته. لديه هَمٌّ ومسؤولية تجاه أبناء وطنه وهي تعليمهم وتقديم يد العون لهم ماديا ومعنويا، والشيخ مسعود لم يؤلف كتابا ولكنه ألَّف وأنشأ رجالا››.

 

 ‹‹تحملت رسالة التعليم لمدة 45 سنة بقلبي وعقلي وأحببتها حبا لم يسمح لي أن أفارقها يوما››

 

الاسم: فريدة

اللقب: لبعل

تاريخ ومكان الميلاد: 04 فيفري 1939م بولاية عنابة.

 

الأستاذة فريدة لبعل:

إلى عنابة أين ولدت ونشأت فريدة لبعل في عائلة ثورية محبة للوطن تحوي 5 أفراد؛ أبوها عبد القادر لبعل وأمها شاشة يمينة، ربيا أبناءهما على حب الوطن والإحسان وفعل الخير، فضربت الأستاذة فريدة خير مثال، وكانت خير ثمرة من تلكم العائلة الكريمة والتربية الحسنة. هي ومن مثلها من نساء الوطن اليوم الراشدات خليفات حسيبة بن بوعلي ووريدة مداد ولالة فاطمة نسومر... وغيرهن من النساء المجاهدات.

دخلت الأستاذة فريدة المدرسة الابتدائية في زمن الاستعمار الفرنسي إذ كانت المدرسة آنذاك تدعى بالمدرسة البلدية للأهالي المحليين «l’école communale des indigènes» وكانت تدرس في مدرسة تقع بالقرب من مسجد سيدي بومروان بعنابة، إلا أن الأساتذة كانوا كلهم فرنسيين، فتعلمت هنالك اللغة الفرنسية فحسب، كونها اللغة الوحيدة المتداولة آنذاك. وكانت الأستاذة فريدة نجيبة ونشيطة ومتميزة، إلا أن المديرة منعتها من اجتياز اختبار شهادة التعليم الابتدائي لتكمل مسارها في الشهادة المتوسطة، ووجّهتها للانضمام إلى المدرسة التكميلية، ولما استفسر أبوها عن السبب، اتضح جليا أنهم أدركوا مدى تميزها ووعيها ويقينها بأنها جزائرية وليست فرنسية عكس ما يلقّن في المدارس، فلم يريدوا أن تكمل مسارها الدراسي الأكاديمي، إلا أن إصرار الأستاذة فريدة وعزمها مكَّناها من مواصلة الدراسة في المدرسة التكميلية والتميز فيها، وبعد ذلك انتقلت إلى المتوسطة التقنية.

تذكُر الأستاذة فريدة أنه حينما فتحت جمعية العلماء المسلمين فرعا في شارع «بيفيلي»  شارع عيسات إيدير حاليا، والذي كان بيتا تبرَّع به أحد المواطنين للتربية والتعليم، كان ذلك بمثابة فتح مبين لها، فجاءهم مدرسون من تونس مثل السي إبراهيم يسعد والسي الطاهر حراث المعروف بالسعدي والسي العربي تومبي –رحمه الله- الذي كان مجاهدا ومعلما، وغيرهم من الأساتذة الذين أوقدوا مشعل اللغة العربية والعلوم الشرعية، فدخلت فريدة لتتعلم اللغة العربية في تلك المدرسة كل مساء، وكانت تحب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبالخصوص الشيخ العربي التبسي وتعتز كثيرًا بشهادة لها أمضاها بيده. 

تروي الأستاذة عملها في الثورة الجزائرية رغم صغر سنها، إذ أنها كانت تساعد بشكل سري أباها وأخاها سليم في قراءة وفهم الرسائل الثورية باللغة العربية، كما أنها كانت تعلِّم الأطفال الصغار مبادئ اللغة العربية بنية توعية الآباء ليشجعوا أبناءهم على ذلك، وكانت على ذلك العهد لمدة 6 سنوات وهي تتعلم اللغة العربية إلى أن تم إرسالها مع مجموعة طلبة سنة 1954 إلى معهد ابن باديس في قسنطينة لاجتياز الشهادة الابتدائية لتتحصل عليها بجدارة ففرحت بنجاحها كل العائلة.

أكملت الأستاذة فريدة مسيرتها على ذلك النحو طالبة في الصباح وأستاذة في المساء، فحاولت تقديم أفضل ما لديها في العمل، وتتذكر الأستاذة إلى الآن اليوم الذي علّمت فيه لتلاميذها نشيد «من جبالنا»، إلى أن هجم عليهم المظليون من العسكر الفرنسي يوما ما من سنة 1957 ليكمل سلسلة جرائمه من تخريب وفساد ونهب، إلا أنها حاولت حماية طلبتها بجرأة وثبات قائلة: «لا تقلقوا هي لحظات وتزول... وسيأتي يوما ما -بإذن الله- الوقت الذي ستقرؤون فيه بصوت مرتفع وأنتم أحرار» وتم غلق المدارس بعد ذلك بأيام، لتتفرغ للنضال الثوري، فكانت في البداية مناضلة مكلفة بالاتصال بين المجاهدين، إلى أن أصبحت بعد ذلك تصحب الفدائيين في عملياتهم الفدائية ضد الاستعمار في حدود الستينيات، وكانت تصعد مرارا الجبل مع المجاهد عمر ريزي –رحمه الله- للجلوس في اجتماعات تنسيقية لتقسيم المهام والأعمال فداء للوطن وفي سبيل الثورة التحريرية كونها مكلفة بتنظيم المظاهرات والإشراف عليها ومن بينها مظاهرة 11 ديسمبر 1961م في عنابة.

تروي الأستاذة فريدة أنه حينما تم طردها من المدرسة في إحدى المرات بعد إضراب السبعة أيام، أدخلها والدها للعمل في الضمان الاجتماعي، وفي إحدى المرات اتجهت إلى رحبة جاب الله في عنابة للحضور في مظاهرة هنالك هي وزميلتها السيدة جميلة علوي فلم يحضر أحد، وبعد انتظار طويل قررتا أن تنطلقا في المظاهرة لوحدهما، فأخرجتا الأعلام  وبدأتا الهتاف بـ «تحيا الجزائر» فبدأت المظاهرة، وإذا بالناس يحتشدون شيئا فشيئا وكان عددهم كبيرا، إلى أن جاء العسكر الفرنسي وفرقوا الحشود وتم إلقاء القبض عليها وتلقت ضربة في أذنها وهي تعاني من أثارها إلى اليوم، وتم الإفراج عنها في النهاية.

في هذا السياق ضربت الأستاذة فريدة مثالا للتضحية وتقدير قيمة الرسالة فكانت مع كل ما رأت من مخاطر وأهوال، لم تتوقف أبدا عن التعليم، فكانت تدرّس الأطفال في المنزل وأحيانا أخرى تأخذهم إلى أعالي« سيرايدي» ويكوّنون قسما للتعليم، وكان ذلك لمدة 8 أشهر وتنتقل إلى هنالك وأحيانا تضطر للمشي على قدميها عدة كيلومترات لتدرّس.

استقلال الجزائر كان حدثا مهما جدا للأستاذة فريدة طالما كافحت من أجله وضحّت بحياتها من أجل قدومه، ليس فقط للأستاذة فريدة بل لجميع الجزائريين. وبعد الاستقلال بدأت الأستاذة بحماس وحب وإخلاص مسيرتها التعليمية، مسيرة حافلة بالإنجاز والعمل والأمل؛ كونها تستطيع اليوم أن تدرب لتلاميذها نشيد «من جبالنا» ونشيد «يا موطن الأحرار» دون أدنى خوف من اقتحام عسكري أو مظلي حُرمة المدرسة. واصلت مسيرتها التعليمية بعد الاستقلال إلا أن الظروف كانت صعبة، فكان القِسم في تلك الفترة يحوي 65 طالبا، وكان العمل مكثفا طوال السنة من تعليم وتكوين.

كانت البداية سنة 1962 في مدرسة « L'orangerie» بعنابة لمدة سنة ثم انتقلت إلى مدرسة « Cite Plaisance» بعنابة لمدة سنة إلى 1964، بعدها مدرسة «النصر» بعنابة أين درّست ثلاث سنوات إلى 1967 ومنها إلى «زهانة» التابعة لولاية وهران من 1968 إلى 1975، وبعد ذلك انتقلت إلى مدرسة «لاكونكورد»  في بئر مراد رايس بالعاصمة لتدرّس هنالك لمدة 3 سنوات إلى 1979، ثم مدرسة «لالة فاطمة نسومر» في حيدرة من 1979 إلى سنة 1991، ومن ثم انتقلت إلى فرنسا لتعليم أبناء المغتربين هنالك اللغة العربية، وبقيت هنالك إلى سنة 1995، ثم عادت إلى مدرسة «الفرن» بدالي إبراهيم حتى تقاعدها سنة 1997. وبعد التقاعد تفرغت للعمل في المنزل والاهتمام بأبناء أبنائها والعمل الجمعوي من حين لآخر.

 

الدافع الذي دفع الأستاذة فريدة إلى عالم التربية والتعليم كان لأمرين اثنين اجتمعا: أولهما: «أستاذتي في اللغة الفرنسية كنت أحبها كثيرا وتأثرت بها تأثرا عميقا، لإحسانها وإخلاصها في التعليم، وثانيهما: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي دفعتني إلى هذا المجال وسهرت على تكويني وتعليمي فلمعلميها كل الفضل في تحملي هذه الرسالة والمسؤولية».

تزوجت السيد فريدة لبعل بالسيد محمد سعيد عساس وأنجبت معه أربع أبناء نهجوا نهج أمهم وأبيهم –رحمه الله- منهم الطفلان خالد ومالك والبنتان نادية وسلمى. وقد زارت مؤسسة وسام العالم الجزائري الأستاذة فريدة وتعرفت عليها ثلاث أيام فقط بعد وفاة زوجها –رحمه الله- .

 

نصيحة الأستاذة فريدة لطلبة اليوم:

- حرصهم قدر الإمكان على التمسك بالطريق القويم والصراط المستقيم لأن السبيل الذي تركه ديننا الحنيف هو سبيل الفلاح والنجاح.

أما نصيحتها إلى أستاذ اليوم:

أن يحب رسالة التعليم حبا عميقا.

 

 

 

 

 ‹‹لم يكن من الممكن أبدا أن يصل الأستاذ إلى مرتبة راقية، دون حب ودعم وسند، الأستاذة: أم ومعلمة ومربية››

 

 

 

 

 

شهادة عن الأستاذة:

« الأستاذة فريدة كانت نموذجا يقتدى للأستاذة المخلصة في تعليم تلاميذها والقيام بشؤون بيتها والاعتناء بهم جميعا، قلبها الصافي جعل كل الناس يحبونها ويسألون عنها».

أ.البيضاء مسعي 

« الأستاذة فريدة من أعز صديقاتي تعارفنا في السفر إلى باريس حينما كنا ندرّس اللغة العربية هنالك، وقد جمعت بيننا علاقة جد طيبة، أكن لها كل التقدير والاحترام وما شهدت عليها إلا الخير وسلامة القلب وحسن الخلق وحب الوطن».

 

 

الاسم: فريدة

اللقب: حطاب

تاريخ ومكان الميلاد: 28 مارس 1939م تنس -ولاية الشلف.

 

الأستاذة فريدة حطاب

إلى القليعة أين تحلُّ مؤسسة وسام العالم الجزائري ضيفة في بيت الأستاذة فريدة حطاب، أستاذة قديرة، تملك شخصية قوية سخرت كل ما تملك من علم ومعارف في خدمة التعليم في القليعة.

 

النشأة والدراسة:

نشأت الأستاذة فريدة في عائلة محترمة محافظة تقدر العلم وتدعو إلى العلم وتشجع حامل العلم.

كانت تجمعها بوالديها علاقة حب واحترام وتقدير، فكانوا يتفهمون وضعها في الكثير من الأحيان ويحبونها كثيرا ويهتمون بتعليمها وتعلمها ويولون اهتماما لنتائجها. 

دخلت الأستاذة فريدة المدرسة الابتدائية وتحصلت على الرتبة الأولى في دفعتها بين الطلبة والطالبات، وكانت كما تروي ابنتها نادية تحب العلم وتحرص على التميز وتسهر عليه، وبعد الابتدائي انتقلت إلى المرحلة المتوسطة بالتنس وأكملت مسيرتها كما كانت في الابتدائي من ناحية الانضباط والعمل.

بعد أن أكملت دراستها في مرحلة المتوسط لم تكن تتوفر في بلدية التنس حينها ثانوية أين تسكن، فكان من الواجب عليها السفر إلى الشلف للتعلم في المرحلة الثانوية، إلا أن والديها لم يستسيغوا ذلك، لذا قررت باستشارة والديها الدراسة عن بعد في المدرسة العالمية بباريس «Ecole Universelle de Paris»، وبعد ذلك تزوجت وانتقلت مع زوجها إلى القليعة فكانت خير سند له وكان خير سند لها في رسالتها التربوية، وأنجبت معه 4 بنات بارات بوالديهن متمكنات ومتعلمات.

 أوقفت مشاغلها في التنس وفي القليعة للعناية بهم ودخلت مجال التعليم من أجلهم وحبا فيهم سنة 1964، حتى كبروا لتصبح قادرة على مزاولة مهامها المهنية بعد أن أعطت كل واحدة منهن قسطها الكامل من الحب والرعاية والعطف والحنان ولا تزال، وهذا ما تشهد به بناتها الأربع. والآن كل منهن تعمل في مجال من المجالات وتسهم في بناء الوطن من تلكم المناصب المهمة، إحداهن طبيبة دكتورة مختصة في الطب الداخلي وأستاذة جامعية في مجال الطب، والأخرى دكتورة في الإعلام الآلي والثالثة دكتورة في الأشغال العمومية والرابعة دكتورة في الهندسة المعمارية.

 

المسيرة التعليمية:

بدأت الأستاذة فريدة مسيرتها التعليمية بمدرسة ابن باديس أين درَّست هنالك 6 سنوات متتالية إلى سنة 1971 كأستاذة للغة الفرنسية، وبعد ذلك اقترح عليها المفتش بن شارف –رحمه الله-  إدارة مدرسة «عوسات» وتحفظت في البداية لكونها ما تزال شابة في الثلاثينيات، إلا أنها وافقت أخيرا وتحملت إدارة المدرسة لتتفرغ للعمل في إدارة المدرسة لمدة 28 سنة.

من الشخصيات التي تأثرت بصحبتهم الأستاذة فريدة زميلتها الأستاذة حاج عمر زبيدة -إذ وقفت معها مساعدة ومساندة في الكثير من المواقف-، التي كانت تسمع عنها وعن تمكنها قبل أن تنتقل إلى مدرسة «عوسات» كمديرة، ولما التقت بها وجدت أنها من مستوى أكبر وأرقى مما كانت تتصور، فلقيت بذلك سندها وكانت تساعدها في الكثير من الأحيان بتكوين الأساتذة في اللغة العربية وغير ذلك من المهام.

مما تتميز به الأستاذة فريدة كونها في البداية وفي أول يوم حينما اكتشفت مدى روعة الطاقم الذي تشرف عليه، وحدت الرؤى وألفت بين القلوب وربطت المسؤوليات، فكانت تقول أن في هذه المدرسة لا يوجد معلمون يتحكم فيهم مدير، بل هنالك فريق واحد يعمل بشكل منسق ومتناغم في كل ما يتعلق بمهام التعليم والإدارة، وهكذا استطاعت التنسيق بين فريق عمل كعائلة متكاملة ومتناغمة، فرحُ أحدهم هو فرح الجميع وحزنُ أحدهم هو حزن الجميع وإشكال أحدهم يشغل بال الجميع . فالجميع كان مسؤولا ويبدي رأيا ويشارك ويتفاعل.

 كانت العلاقة بين الأستاذة فريدة وتلاميذها علاقة حب واحترام منقطع النظير، وهذا ما ترويه عنها الأستاذات والتلاميذ أنفسهم، كونها كانت دوما تأمل وتبحث عن صالحهم وما هو خير لهم، وكانت تستدعيهم دوما إلى مكتبها للحديث معهم وللبحث في الإشكالات وعن سبل الحل بصحبتهم. كما أنها كانت تحبهم وتبعث الأمل فيهم، ومن شدة حبهم لها أصبحوا كلهم ينادونها «مامينو».

بالنسبة للأولياء كذلك، كانت تربطهم بها علاقة طيبة، لكون الشخصية التي تتميز بها الأستاذة فريدة وعيشها في تلك المنطقة بالقليعة جعلها متفهمة جدا للوضع والسياق، وكانت تحاول دوما الجلوس مع أي ولي أو أب قبل أن يلتقي بالأستاذ أو الأستاذة، فما تفعله الأستاذة فريدة أنها تهدئه وتطمئنه وتستمع له باهتمام ليخرج من مكتبها مسرورا فرحا وكان ذلك حال معظم الأولياء الذي يأتون بشعلة غضب نحو الأساتذة والأستاذات يخرجون بابتسامة وهدوء من مكتبها.

من الشخصيات التي تأثرت بها الأستاذة فريدة قبل دخول التعليم والذي أثر في شخصيتها كثيرا أبوها الذي سهر على تربيتها طول حياتها، وحين دخولها عالم التربية والتعليم تعرفت على الأستاذ والمفتش بن شريف –رحمه الله- والذي كان يعمل في مجال التعليم قبل الاستقلال وبعد الاستقلال، لصدقه وإخلاصه في عمله، جمع بين الحزم والطيب والصرامة والرحمة، لقد كان يملك شخصية قوية جدا.

مما جعل الأستاذة فريدة متميزة في رسالتها التعليمية قبل أن تشرف على الإدارة؛ استعمالها لوسائل تربوية تعليمية مثل التعليم النشط والذي يقتضي فيه إشراك التلميذ في بناء الدرس وتحفيزه على العمل والبحث، ما سيجعله يفهم الدروس أكثر ويشعر بإنجازه في البناء، كما يقول جون جاك روسو، أن «الطفل يتذكر ما يكتشف هو بنفسه».

ما توصي به به الأساتذة اليوم هو أن يحرصوا أولا على التكوين قبل تحمل مسؤولية التعليم لأن التكوين مهم جدا، ثم الحرص على تفعيل دور الطالب في المنظومة التربوية وإشراكه في بناء الدروس والمعارف إلى غير ذلك وتحبيب منظومة العلم والتعلم له.

 

أما ما تنصح به الأستاذة للتلاميذ والطلبة اليوم: العمل والاجتهاد والحرص على الذهاب إلى المدرسة دوما وحب الدراسة.

 

شهادات عن الأستاذة:

مومن زبيدة:

«الأستاذة حطاب كانت مديرة بأتمِّ معنى الكلمة، كانت تملك شخصية قوية وتحرص على أداء عملها بأفضل شكل، وتحب الأستاذات والتلاميذ وتعتبرهم أبناءها كما أن حبها للتلاميذ وحب الخير لهم وتعليمهم جعلها تطمئن بما تقوم به كدور ولم تفكر يوما في التخلي عنه والتولي دونه».

نادية حطاب:

«أمي كانت تحب العمل والإسهام والتطوع كثيرا حينما كانت صغيرة وحيثما توجد، إلى الآن تستطيع التأقلم مع الظروف والإنتاج والاتجاه نحو الأمام مع الإتقان دوما. ولم يمكن لي أبدا أن أصل إلى ما وصلت إليه -كدكتورة وأستاذة جامعية مختصة في الطب الداخلي- دون حبها ودعمها وسندها، أنا وكل أخواتي، فلم تكن أبدا عنيفة معنا رغم ضغوطات العمل وكانت تأمل دوما صلاحنا وصلاح أبنائها الصغار في المدرسة».

 

 

الاسم: محمد

اللقب: باحريز

تاريخ ومكان الميلاد: 10 جويلية 1943م بني يزقن -ولاية غرداية.

 ‹‹الروح الإيجابية والفعالية والطموح عوامل تجعل الأستاذ يتجاهل كل العواقب، ويتجاوز كل العقبات ويتطلع دوما إلى ما هو أحسن››

 

الأستاذ محمد باحريز:     

إلى بلد الأصالة ومدينة الجمال والبساطة والتقاليد، هي قلب نابض للوطن ولؤلؤة الصحراء الكبيرة وجوهرة الجزائر، وادي مزاب، هنالك التقينا بالأستاذ محمد باحريز، أستاذ كريم متواضع محترم، من رجال الوطن المخلصين وأبناء الجزائر البررة الذين عقدوا العزم أن تحيا الجزائر، والذين أدركوا أن أسمى قيم الاستقلال مرهونة بالعمل والإخلاص وببناء الوطن وتشييده وتعليم أبنائه.

ولد الأستاذ محمد باحريز يوم 10 جويلية سنة 1943 بقصر ‹‹بن يزقن›› ولاية غرداية، أبوه الحاج صالح بن محمد باحريز وأمه مامة بنت عمر باحريز. نشأ وترعرع هو وإخوته في هذا الحضن والحصن العائلي في أسرة محافظة رضع منها الدين والخلق الحسن وحب العلم والتواضع. 

التحق الأستاذ محمد في السادسة من عمره بمدرسة ‹‹الجابرية›› لتعلم اللغة العربية والعلوم الدينية مع القرآن الكريم، ودرس عند المشايخ الحفظة لكتاب الله منهم: الشقمة الحاج عيسى، شريفي الحاج عمر بن بكير، والشيخ باحيو الحاج محمد وغيرهم من الأساتذة والمشايخ الذين كانوا سببا في تعليمه وتكوينه، ثم انتقل بعد ذلك إلى مدرسة الشيخ عمر بن يوسف لفترة قصيرة، كما أنه درَس كذلك في المدرسة الرسمية آنذاك.

في 22 من عمره التحق بسلك التعليم وبالتحديد في 9 جانفي 1965 ويوافق ذلك شهر رمضان من سنة 1384هـ وذلك بعد أن تحصل على شهادة التعليم الابتدائية للكهول في 16 ديسمبر 1962، درَّس في مدينة ‹‹المنيعة›› سنة واحدة ثم انتقل إلى مدينة ‹‹ورقلة›› أين دَرَّس سنتين في إحدى مدارس ‹‹ورقلة››، ومن صور التضحية الجميلة التي رويت عنه انتقاله إلى مقر عمله من ‹‹غرداية›› إلى ‹‹ورقلة›› بسيارات الأجرة ومن ثم في ‹‹ورقلة›› قطْعُه لمسافة 25 كلم حاملا محفظته بدراجة نارية عادية من ‹‹ورقلة›› إلى ‹‹أنقوسة›› أين كان يدرس، ولم يثنه عن عزمه لا رياح عاتية ولا برد ولا حر شديد.

في شهر جوان من سنة 1966 تزوج بالسيدة الحاج سعيد مامة بنت بكير والتي كانت خير أم لأبنائه وخير رفيق له في دربه، وقد رزق معها بستة أولاد 3 ذكور و3 إناث، والذين كانوا خير خلف لخير سلف كونهم ترعرعوا في بيت تربية وخلق وعلم. 

في شهر أكتوبر من سنة 1968 تحصل الأستاذ محمد على شهادة الثقافة العامة المهنية ثم الشهادة العليا للتعليم في الابتدائي سنة 1974 وبعد ذلك تحصل على شهادة الكفاءة التربوية. ومن ‹‹ورقلة›› إلى ‹‹غرداية›› حيث درَّس في مدرسة ‹‹محمد بوزيدي›› وذلك من سنة 1967 الى سنة 1972 تحت إدارة الفرنسي السيد ‹‹كارتي››، ومنها انتقل إلى مدرسة الشيخ أبي إسحاق مُعلما من سنة 1972 إلى 1984، وفي تلك الفترة أدرك السنة الأخيرة تحت إدارة الفرنسي السيد ‹‹غيرو›› والذي جاء بعده  السيد ‹‹دحان›› الطيب ثم تولى المسؤولية بعدهما.

في 11 سبتمبر 1984 انتقل من مجال التعليم إلى مجال الإدارة التربوية إذ تم تعيينه مديرا لمدرسة الشيخ أبي يعقوب خلفا للسيد ‹‹تزقغين أحمد›› والذي انتقل إلى مديرية التربية، فساسها سياسة رشيدة وساهم في تطويرها وتهيئة الجو الخصب في المدرسة من ثقة وحب واحترام وتسامح وتعاون، كما أنه حاول جاهدا الاهتمام بالجانب الجمالي للمؤسسة وأشرك كل من كانت له علاقة بمنظومة التربية والتعليم في ذلك، كما أنه كان حاضرا في مختلف المسابقات والاحتفالات العلمية مع تلاميذه وأساتذته، وبقي يمارس نشاطه في إدارة المدرسة إلى يوم تقاعده عن العمل بالإدارة رسميا يوم 31/8/1998.

من القيم التي كان يؤمن بها الأستاذ محمد والتي ظهرت جليا في فعله:

- الإخلاص في عمله والتفاني والإتقان.

- اهتمامه بالجانب الجمالي للمؤسسة وحرصه عليه.

- الصراحة والوضوح في كل قول يتلفظ به أو عمل ينجزه ويطلب منه.

- معالجة القضايا في حينها فلم يكن يترك الأمور تتراكم أو يؤجلها إلى وقت غير وقتها.

- الاستقامة وهي ما يشهد بها كل من عاشره أو عمل معه من أساتذة أو مديرين أو طلبة. 

- الإيمان بحقيقة مسؤولية رسالة المعلم، فكان دوما يحاول أن ينشر رسالة المعلم وأهميتها  ويحمّل المعلمين مسؤولية ذلك. 

بعد تقاعده حاول جاهدا نقل تجربته العلمية التربوية الزاخرة ومعارفه الفكرية في الإدارة والتعليم والتي اكتسبها من مشواره الطويل إلى من بعده فكان ممن ساهموا في إنشاء مشروع مدرسة ‹‹الجابرية›› -بنات- سنة 1974 ولا يزال عضوا فعالا في إدارتها إلى الوقت الحالي. 

كان الأستاذ يستغرب دائما كيف يمكن للمبلغ الذي يتقاضاه في التعليم أن يمكنه من بناء بيت ومواجهة مشاغل ومتطلبات الحياة اليومية، إلا أن ذلك لم يكن إلا تأييدا وتوفيقا من الله عز وجل وبركة منه، فقد استطاع أن يفعل كل ذلك وزيادة.  

حين تقاعد الأستاذ محمد باحريز لم يفكر يوما في الجنوح إلى الراحة والقعود إلى جانب من جوانب المنزل، بل كان يرى أن التقاعد يعني بالنسبة له الانتقال من نشاط إلى آخر، لأن الجنوح للجلوس والركود لا ينفع المرء مهما كان عمره، لذا فبالإضافة إلى تجربته في مجال التعليم كان ناشطا اجتماعيا، فقد ساهم في إحياء مكتب عشيرته آت باحمان وبقي كاتبا فيها من 1974 إلى 1991 كما أنه كان عضوا نشيطا في لجنة المديح الشعبي الفنية من سنة 1966 إلى سنة 1971.

 

شهادات عن الأستاذ:

أ.صالح باكلي

«محمد باحريز كان في الوجود أمة، تميَّز بالأخلاق الفاضلة كالانضباط في الوقت والنظافة وحب العمل والتفاني والإتقان فيه والتقوى».

أ.فضلي أحمد

«أعتبر الأستاذ محمد باحريز أبا روحيا بالنسبة لي، يمتاز بأخلاق رفيعة عالية، كنا نحبه كثيرا أساتذة وطلبة، خلوق منضبط ومحترم للوقت. وكان يحب العطاء ومرافقة الأساتذة الجدد من ناحية التكوين والمساعدة والمساندة، وذلك ساعدني كثيرا لما دخلت لأول مرة مجال التربية والتعليم».

أ.رزاق صالح:

«الأستاذ محمد باحريز أب ومكون ومرب يحبه الجميع من أساتذة وتلاميذ، من الأمور التي تميز بها حبه للأساتذة هو أيضا، وحرصه الشديد على أن يجدوا الأريحية في التعليم فكان يعمل جاهدا على قضاء حوائجنا الداخلية في المدرسة، وأكثر من ذلك كان يقضي لنا حوائجنا الخارجية أي خارج المدرسة والتي قد تكون أكبر من طاقته، فكان يتواصل مع السلطات الإدارية بخصوص ملفات الضمان الاجتماعي، وخلال الأزمة الغذائية في التسعينيات بالنسبة للمواد الأساسية مثل القهوة والزيت والطماطم، كان يحرص ويسعى أن يحضرها للأساتذة بسيارته الخاصة».

أ.صالح بكلي:

«ليس لدي ما أقول للأستاذ محمد باحريز إلا أني أقر أنه كان سببا في منعرج حياتي ونقطة انعطاف كانت من خلالها ولادتي من جديد في مجال التربية والتعليم وقد كان مربيا بالنسبة لي وقد أثر فيّ أيما تأثير».

 

 

 

 الاسم: الشيخ

اللقب: بكراوي

تاريخ ومكان الميلاد: خلال 1956م نومناس بلدية تمنطيط -ولاية أدرار.

 ‹‹على المعلمين في تبليغ رسالة العلم، أن لا يكونوا أساتذة ماديين تسيرهم المادة، بل مخلصين يحترق قلبهم من أجل الرسالة وحب العلم والوطن، وأن يكونوا أصحاب علم وحكمة››

 

 

الأستاذ الشيخ بكراوي:

حينما نتكلَّم عن الجزائر فإننا نتكلَّم عن حضارة وتاريخ مجيد مرصَّع بالذكريات التاريخية الخالدة والشخصيات الماجدة من علماء ومفكرين ومجاهدين... شخصيات وحضارات أَثْرت تاريخ الوطن وأسهمت في أصالة هويته وتناغمت مع طبيعته الخلابة وشموخ جباله وهضابه العليا وجمال صحرائه الشاسعة. 

نواصل المسيرة جنوبا في صحراء الوطن الجزائر، إلى ولاية أدرار بالقرب من رقان وما قاست تربتها من تفجيرات نووية وما شهدت من مآسي استعمارية في حق البلد الخالد، في حدود تلك المناطق نشأ وترعرع أشخاص أفذاذ لهم همم شامخة وآمال سامية وطموحات عالية، صبروا وجاهدوا وكابدوا وعقدوا العزم أن تحيا الجزائر... انتقلت إلى هنالك ‹‹ مؤسسة وسام العالم الجزائري ››  زائرة للرحم الوطنية مستفسرة عن الحال العلمية هنالك، فوجدت رجالات وأساتذة عظماء مخلصين؛ من بينهم ومن طينتهم برز الأستاذ الشيخ بكراوي، رجلا عالما مخلصا متواضعا مضحيا محبا لوطنه، نسج بتضحياته العلمية سيرة حياة ذهبية وكانت حياته بحق حياة في سبيل الله وفي سبيل حب الوطن.

 

النشأة والدراسة:

ولد الشيخ بكراوي في ‹‹نومناس›› بلدية ‹‹تمنطيط›› ولاية ‹‹أدرار›› خلال 1956، ونشأ في عائلة متواضعة مثلها مثل عائلات الجنوب الجزائري، أسرة متدينة ملتزمة تُولِي اهتماما واعتبارا كبيرين للعلم وحب المعرفة، أين نشأ وترعرع في ذلك الحضن الأسري الدافئ بين يدي أبيه ‹‹أحمد ديدي›› القاضي، وأمه ‹‹سكينة يوسفي››، درس في معهد المعلمين فتخرج فيه بدرجة أستاذ ليشتغل بعد ذلك في مجال التربية وتدريس النشء و تكوين الأجيال. 

تعتبر عائلة الأستاذ الشيخ البكراوي والتي تدعى بالعائلة البكرية من العائلات التي كان لها السبق في نشر العلم والمعرفة في المنطقة؛ فالشيخ ‹‹سيدي عبد الكريم بن امحمد›› أسَّس الزاوية العلمية بالمنطقة، فتتلمذ عليه ابنه الشيخ سيدي البكري الذي تولّى القضاء إلى جانب التعليم ونشر الدين والمعرفة، وبعده تولى أبناء سيدي البكري الأربعة المهمة بعد أبيهم فانتشروا في الصحراء لنشر العلم، منهم العلامة الفقيه الشيخ ‹‹سيدي محمد الصالح›› الذي سافر إلى منطقة ‹‹تماسين›› ‹‹ بتقرت ›› حيث يوجد قبره حاليا، فتفرغ  لرسالة نشر القرآن والعلم الشرعي والفتوى والقضاء بتلك المنطقة.

أما الابن الثاني الشيخ ‹‹سيدي عبد القادر›› فقد كان عالما جليلا وتنقل إلى منطقة ‹‹دلدول›› فعمل على نشر العلم واختص في القضاء والفتوى وفض الخصومات بين الناس وإصلاح ذات البين.

إبنه الثالث القاضي‹‹ سيدي عبد الكريم›› اختص في تولي خطة القضاء أيضا مثل إخوته في منطقة ‹‹توات››، إلى أن وصلت المسيرة إلى ‹‹سيدي أحمد ديدي›› الذي تعلم على يديه الشيخ ‹‹سيدي محمد بلكبير›› ‹‹بتمنطيط›› وأخذ عنه العلم إضافة إلى الكثير من علماء المنطقة وأيضا كان له فضل كبير في مقاومة المستعمر الفرنسي في المنطقة، فقد كان يشجع أبناءه على رد الاستعمار والمقاومة والجهاد وقد كان هنالك مجموعة مجاهدين أطهار من طلبته، إلى أن تصل هذه السلسلة الذهبية إلى الشيخ ‹‹أحمد ديدي قاضي›› ‹‹نومناس›› والذي تولى مهمة القضاء من سنة 1955 إلى 1974 وهو أب الشيخ بكراوي وقد تربى على يده وترعرع بين أحضان بيته وكان خير ابن بار بوالده.

إضافة إلى رعاية والد الشيخ البكراوي فقد سانده مجموعة من إخوته في مسار حياته منهم الشيخ ‹‹يحي سيدي عبد القادر›› والذي أسس زاوية عتيقة في ‹‹نومناس›› و‹‹سيدي الحاج الكبير››.

تزوج  الشيخ البكراوي من السيدة ‹‹حفصة بكري›› فكانت خير سند له وخير أم لأبنائه البررة، والذي يعمل أحدهم إداريا في الجامعة والثاني إطارا إداريا في البلدية والثالث إماما في مدينة النعامة تخرج في الزاوية التي كان يدرس فيها أبوه الشيخ البكراوي، وأصغرهم لا يزال طالبا في السلك الدراسي.

تتلمذ الشيخ البكراوي على يد الشيخ ‹‹محمد بلكبير›› بالمدرسة القرآنية التي كان يسيّرها وتحمل اسمه. بعد ذلك أكمل مساره الأكاديمي بالمعهد الإسلامي بأدرار وتخرج فيه.

 

المسيرة التعليمية:

بدأ الشيخ البكراوي التدريس في 20 سبتمبر 1976 في قصر ‹‹تِيمَدَانين›› في قسم شعبي بسيط بناه أهالي القرية نظرا لاهتمامهم بالعلم وضرورته في القرية، وكانت المدرسة حينها تحوي ثلاثة أقسام فقط، إذ كانت الإمكانيات جد قليلة وبسيطة إلا أن المعنويات كانت جد مرتفعة. كانت المدرسة تحوي الكبار أيضا إضافة إلى الطلبة الصغار، وكان هناك مفتش مختص بمحو الأمية ومستشار خاص بهم. 

عكس ما نشهده اليوم كانت الظروف المعيشية حينذاك قاسية جدًّا، فلم تكن الكهرباء متوفرة ولا الغاز الطبيعي وكان التدريس صباحا للصغار وليلا للكبار تحت ضوء غازي خافت وهو ما يسمى عند أهل القرية ‹‹بالقرعة››، إلا أن نسبة كبيرة من هؤلاء الطلبة الرجال نالوا الشهادة الابتدائية وأكملوا دراستهم بعد ذلك مع غيرهم.

ورغم قساوة الظروف والطبيعة إلا أن الشيخ أكمل مسيرته في تأدية المهمة النبيلة وهي التعليم والتكوين، فقد كان الشيخ البكراوي إلى غاية سنة 1981 يتنقل إلى ‹‹رقان›› ليدرِّس هنالك ولكن الظروف كما أشرنا كانت جد قاسية فقد كان التنقُّل صعبا جدا فلم تكن هنالك طرق معبَّدة ولا حافلات متوفرة ولا سيارات ولا أدنى وسائل النقل. كانوا ينتقلون من أدرار إلى ‹‹رقان›› حوالي 147 كم فوق شاحنات تجارة محملة بالثمار تنتقل حينذاك من أدرار إلى السودان أو من أدرار إلى مالي.

من أهم ما كان يتصف به الأستاذ الشيخ تواضعه وتناغمه مع المنطقة والمجتمع الذي يعيش فيه فلم يكن يُلحظ فيه أي ترفع أو تفرقة بينه وبين باقي أهالي القرية؛ فكان يشاركهم مختلف الأعمال الحياتية وكان ينتظم دوما معهم في المسجد.

بالنسبة لتفجيرات ‹‹رقان›› كانت كارثة حقيقية عاشها الشيخ بكراوي إذ لم تظهر آثار آنية كما يروي، ولكن بعد سنوات ظهرت عواقب وخيمة نتجت عن التفجيرات، من تشوهات في الوجوه وتقوس في الرجلين ونقص في البصر وأمور أخرى غريبة جدا كتشوهات خلقية غريبة أو غياب العينين، مثلا وكان الشيخ ومن معه كأساتذة يحرصون مع الطلاب بخصوص الروح الوطنية وخطر فرنسا المحدق والمشاهد بأم أعينهم.

 

بعد ذلك شغل مناصب إدارية تربوية مختلفة:

  • مدير ومعلم في مدرسة ‹‹نومناس›› لمدة سنتين إلى غاية 1984.
  • مدير ومعلم في مدرسة ‹‹سيدي يوسف›› لمدة سنة واحدة.
  • مدير  ومعلم في مدرسة ‹‹ورغة›› لمدة سنة واحدة.
  • مدير  ومعلم لمدرسة: ‹‹بن همي›› لمدة  سنة واحدة.
  • تكوين مدير واحد سنة 1992.
  • مدير ابتدائية بـ: قصر ‹‹بويحي›› لمدة تسع سنوات.
  • مدرسة ‹‹تافاوت›› ابتدائي لمدة ثلاث سنوات.
  • مدير المدرسة الابتدائية ‹‹تمنطيط›› لمدة 13 سنة من 2002 إلى 2015.

خصلة مهمة جدا كان يتميز بها الأستاذ الشيخ بكرواي تتمثل في العلاقة التي تجمع بينه وبين طلبته فقد كان الأستاذ الشيخ بكراوي في مقام الأب وفي مقام القدوة لطلبته، كان يهتم كثيرا لأمورهم من رعاية وحرص وتعليم وتثقيف وتربية، وهذا ما يورده الكثير من طلبته وكيف كانت صورة أستاذهم في أعينهم.

كما أنه كان يمتاز بحبه لرسالة التعليم حتى صبغت تلك الرسالة العظيمة والقرآن الكريم الذي كان يحفظه ويعيه في صدره، خصاله وأخلاقه وسجاياه فقد كان متواضعا متأدبا مواظبا على عمارة المسجد وتدريسه في الأوقات الرسمية في المدرسة، إضافة إلى تعليمه في أقسام الكبار أو محو الأمية، وتعليمه للقرآن الكريم وإمامته الناس في المسجد، وقد كان دائم الرجاء أن ينال رضا الله وأن ينفع وطنه ومجتمعه بذلك، كونه يرى أن كل ما قدم أمر قليل جدا مما أوتي من وسع، فله الكثير من المميزات الاجتماعية والتربوية والدينية.

 

دوافعه وتأثره بأساتذته: 

- دافِع الأستاذ الأساس والمحوري هو حبه للعلم والعلماء كونه أيضا نشأ في عائلة العلم والحكمة والمعرفة.

- تأثر الأستاذ الشيخ كثيرا بوالده الأستاذ ‹‹سيدي أحمد ديدي›› والذي كان شيخا وأستاذا في القرآن  ومبادئ الدين وأصول الفقه والنحو والأدب العربي.

- تأثَّر أيضا بأستاذه في اللغة الفرنسية ‹‹عبد الوافي محمد›› –رحمه الله-.

 

قالوا عن الأستاذ:

الأستاذ عبدالله:

‹‹في الفترة الممتدة من 1976-1982 كانت المنطقة تعيش ظروفا صعبة كونها منطقة نائية بسبب تأثيرات تفجير القنبلة النووية برقان إضافة إلى نقص التنمية في المنطقة والوسائل البيداغوجية شبه المنعدمة، إلا أن الأستاذ الشيخ بكراوي كان أبا بكل معنى الكلمة مرتبطا بطلبته ارتباطا تراحميا وطيدا وكان مجاهدا معلما في محو الأمية في الليل وأستاذا في القرآن والمدرسة الرسمية صباحا››.

محمد طالبي:

‹‹هو حافظ لكتاب الله نعم الأستاذ والأب يقف مع تلاميذه ويصاحبهم حتى وهم مسؤولون وكبار››.

 

 

 

الاسم: فتيحة

اللقب: بوسماحة

تاريخ ومكان الميلاد: 03 فيفري 1959م -ولاية بجاية.

 ‹‹الأستاذة بوسماحة لم تكن تعلمنا اللغة الفرنسية وفقط، بل كانت تعلمنا الحياة وتحضرنا لها››

 

الأستاذة  فتيحة بوسماحة   

إلى الجزائر العاصمة، إلى الجزائر البيضاء والمدينة المحروسة ومدينة البهجة والحضارة... مدينة زادتها الحضارات المختلفة التي تعاقبت عليها جمالا وأصالة وثراء. ننتقل إلى هنالك لتكريم أستاذة متواضعة متمكنة، هي الأستاذة  فتيحة بوسماحة.

النشأة والدراسة:

ولدت الأستاذة بوسماحة فتيحة بإسم ‹‹كرنان فتيحة›› في الثالث من شهر فيفري سنة 1959م بولاية بجاية، من والدين كانا مصدر إلهام وأسمى نموذج أثّر في وسم شخصيتها الطيبة بالأخلاق السمحة الحسنة، إذ تعلمت منهما التواضع والذي كان مرافقا لها في حياتها.

أشرف على رعاية الأستاذة فتيحة في بداية مشوار حياتها خالتها جميلة والتي كانت تسميها ‹‹يما ميلا››، وقد خطت أول خطواتها العلمية الدراسية نحو مدرسة الأخوات البيض ثم انتقلت إلى الحضانة في نفس البلدة، إلى أن التحقت وهي بنت الخمس سنوات بالمدرسة الابتدائية ‹‹جامير›› أين درست سنة واحدة فقط، بسبب انتقالها إلى العاصمة أين يوجد محضن عائلتها في شارع ‹‹إسماعيل بودبرة››.

بعد أن أكملت هنالك في العاصمة المرحلة الابتدائية، ثم المرحلة المتوسطة في مدرسة ‹‹سانت أوجان››، وبعد أن أتمت باستحقاق المرحلة المتوسطة سنة 1976، انتقلت إلى ثانوية ‹‹فارنز فانون›› بباب الواد بالعاصمة لتكمل مرحلتها الثانوية هنالك. بعد ذلك التحقت الأستاذة فتيحة أخيرا بالمعهد التكنولوجي للتعليم ببن عكنون «ITE».

 

المسيرة التعليمية:

بدأت الأستاذة فتيحة بوسماحة مسيرتها الحافلة في رسالة التعليم وفي تخصص الأدب الفرنسي سنة 1980 بمتوسطة ‹‹بولوغين الجديدة››

طلبت الأستاذة فتيحة في سنة 1986 التحويل إلى متوسطة ‹‹ابن النصير›› ببودواو ولاية بومرداس، وهنالك أرست قواعد بيت مفعم بالنور والود مع زوجها ‹‹عبد الحميد بوسماحة›› إذ أثمرت علاقتهما الطيبة، ابنين بارّين مخلصين متواضعين، عصام وفيصل. كما أنها التقت هنالك بأفراد مخلصين فريدين من نوعهم في السياق المهني أو الحياتي كانوا بالنسبة لها نماذج مشرقة ملهمة تعلمت منهم الجدية والتمكن والحزم والانضباط، من هؤلاء تذكر الأستاذة فتيحة صديقتها نعيمة والسيد مختاري رشيد والسيد بن دين وغيرهم...

في سنة 1992 طلبت الأستاذة التحويل من مؤسسة ‹‹ابن النصير›› ببودواو إلى مؤسسة ‹‹فرانز فانون›› بباب الواد أين عملت مع الأستاذ علي الشريف وقد أعجبت كثيرا بتفانيه وإخلاصه في العمل وكانت ترى فيه دوما نموذجا مميزا لمدير مؤسسة تربوية.

في هذ الفترة من حياة الأستاذة فتيحة بدأت المعاناة وبدأت معها منظومة الصبر والمصابرة والمكافحة في سبيل الوطن وفي سبيل نشر العلم مهما كانت الظروف، ففي سنة 1999 انتقلت الأستاذة فتيحة بوسماحة مع عائلتها إلى بجاية هذه المرة لمدة سنتين، عرفت المنطقة حالة عدم استقرار الأمن لما عصف بالمدينة من حوادث مترامية، عاشتها الأستاذة فتيحة بكل ما فيها من مأساة إلى أن عادت إلى بومرداس سنة 2001 لتتفرغ للتعليم في متوسطة ‹‹تيجلابين›› تحت إشراف المدير غدواري لتجد نفسها في بيئة ريفية وذلك أهم ما ميزها، وفرحت لها الأستاذة فتيحة: دفء قلوب أهاليها وسعة صدورهم ورحابتها.

شاءت الأقدار أن تصاب بومرداس الهادئة بهزة أرضية قوية هزت كيانها وفزعت لها بيوتها وأهاليها وكشفت عنها هدوءها، وأضفى الزلزال على حياة الأستاذة كمًّا من الابتلاء وكمًّا من الصبر على المآسي، إذ بقي هذا الحدث خالدا في تاريخ بومرداس بما فقدت الأستاذة فيه من طلبتها وأصدقائها وزملائها في العمل وهياكل دَرَّست فيها، وأساتذتها في جامعة التكوين المتواصل ببومرداس. 

في سنة 2005 انتقلت عائلة الأستاذة فتيحة بوسماحة من بومرداس إلى بن عكنون في العاصمة للاستقرار فيها لتتوجه إلى الابتدائية ‹‹عبد الغني تكارلي›› في درارية والتي هي ملحق لمؤسسة سبالة، ومن ثم إلى متوسطة ‹‹محمد شويطر›› في الأبيار سنة 2006 والتي كان يشرف عليها المدير بلفطار في تلك الفترة والذي اشتهر بنبله وأدبه بخصوص كل معاملاته، والذي ترك بصمة بارزة خالدة في شخصية الأستاذة بوسماحة.

تسلمت الأستاذة فتيحة بوسماحة بجدارة وسام الاستحقاق سنة 2007 جراء ما بذلت خلال مسيرتها في منظومة التربية والتعليم واستلمت الوسام من السيد يوسف الخطيب، ووزير التربية والتعليم أبو بكر بن بوزيد لكونها احتلت المرتبة الأولى على المستوى الوطني في نتائج شهادة التعليم المتوسط في اللغة الفرنسية.

من أهم ما ميز شخصية الأستاذ فتيحة بوسماحة شغفها وحبها لما تقوم به من عمل؛ وهو رسالة التعليم، وكذا اهتمامها وحبها للمراهقين الذين عملت معهم واهتمت بهم خلال مسيرتها المهنية الرسالية، كما أنهم من جهتهم أيضا تأثروا كثيرا بنبض قلبها المخلص والمفعم بالعطاء، تأثروا كثيرا بسخائها، بهمّتها، لحبها في نجاح الجميع خاصة أبناء العائلات المتواضعة إذ كانت توليهم اهتماما وحبا خاصا.

كانت الأستاذة تحرص دوما على إنجاح لحظات نهاية كل سنة مفعمة بسعادة تغمر الجميع خاصة الحفلات التي كانت تجمع الطلبة بأساتذتهم ووالديهم يتشاركون فيها السعادة والإنجاز.

أحيلت الأستاذة بوسماحة فتيحة إلى التقاعد في هدوء وصمت سنة 2015 لتختم بذلك جهود مشوار مبارك ومسيرة تعليمية حافلة بالتحديات من جهة وبالإنجازات والحب والأمل والتواضع والإتقان من جهة أخرى.

حاليا تشغل الأستاذة بوسماحة منصب أمينة عامة للتنسيقية الوطنية لأساتذة اللغة الفرنسية في الجزائر «CNEFA»، ومن أهم المميزات التي تتميز بها الأستاذة منذ صغرها حبها للقراءة والمطالعة وصحبة الكتب فهي ترى أن هناك من عاشوا قبلنا وتركوا دُررا نفيسة متعلقة بتجاربهم الحياتية، فكانت كلما شغل بالها أمر ما أو إشكال ما فتحت الكتب وتقرأ، فعادة ما تجد حلولا لإشكالاتها هنالك. 

 

شهادات عن الأستاذة:

عبد الحميد بوسماحة:

«في الحقيقة ليس من السهل الحديث عن شخص تربطني به علاقة خاصة وهي علاقة الزوجية، إلا أني أقول أن الأستاذة بوسماحة ضحت وبذلت كل ما في وسعها لتوفر الجو المريح والخصب والأمثل لأفراد عائلتها، لينتجوا ويثمروا، ومن شواهد ذلك فوزها في اختبار الدخول إلى الجامعة ولكنها لم تلتحق بها حفاظا على أريحية أولادها الصغار، فالأمومة فرضت هذه التضحية والأستاذة بوسماحة كانت خير مجيب للنداء». 

عبد النبي أحمد عدنان:

«الأستاذة بوسماحة امرأة عظيمة تملك قلبا كبيرا واسعا، وأتذكر قصصا كثيرة جدا تعلمت منها وحَدَثت بالخصوص مع الأستاذة بوسماحة، فحينما كانت أستاذة لنا، لم تكن تعلمنا اللغة الفرنسية فقط، بل كانت تعلمنا الدنيا بشكل عام وتحضرنا للحياة، ولذلك فلها فضل كبير وتأثير على اختيار الكثير من طلبتها شعبتهم أو تخصصاتهم الحياتية في المستقبل. باختصار أي طالب يدرس في قسم الأستاذة بوسماحة وحينما يخرج تتغير وجهة نظره للحياة ويصبح تلميذا إيجابيا فاعلا يحاول تغيير الأمور بشكل دائم إلى ما هو أحسن».

الأستاذة محقون دليلة:

«الأستاذة بوسماحة مدرسة بكل معنى الكلمة كانت مخلصة وصادقة في رسالتها التربوية، لما غادرت المؤسسة تأسفنا وحزنا كثيرا لذلك، كونها كانت جد فاعلة يحبها الجميع من طلبة وأساتذة وإدارة كما أنه كانت لها نتائج ممتازة في التعليم».

الأستاذ عبد القادر بن دين:

«سعيد جدا بنيل الأستاذة بوسماحة هذا الوسام والاستحقاق بكل بساطة لأنها تستحقه وقد برهنت على ذلك من خلال اجتهادها في منظومة التربية والتعليم، وتعاملها مع تلاميذها، وكذا بمنهجية تعليمها وطرحها للمعارف».

 

 

 

 

 

الاسم: آمنة

اللقب: بلقاسمي

تاريخ ومكان الميلاد: 02 ديسمبر 1962م -ولاية البليدة.

 

 ‹‹خدمة والدي من أولى الأولويات، وأعتقد أنّ بر الوالدين يصنع المعجزات في الحياة

 وهو سر النجاح كله››

 

 

السيدة آمنة بلقاسمي            

 

المولد والنشأة: 

هي السيدة آمنة بلقاسمي، من مواليد 02 ماي سنة 1962 بولاية البليدة، نشأت وترعرعت في مدينة بوفاريك بنفس الولاية بين أحضان أسرة محافظة ومتعلمة، كان والدها مجاهدا ومدرسا للقرآن الكريم وأستاذا للأدب العربي في مرحلة المتوسط، وكلف بإمامة مسجد المدينة بعد تقاعده. والدتها كانت سيّدة ذكية وحكيمة تلقت تعليمها في الزاوية، وقد غرست حب العلم والأخلاق الفاضلة لدى أبنائها.

 

المراحل الأولى في الدراســـة:

سنة 1967 التحقت  آمنة بصفة غير رسمية بمقاعد الدراسة في سن مبكرة وعمرها لا يتجاوز الأربع سنوات بابتدائية الخلدونية التي أسّسها العلّامة عبد الحميد ابن باديس في مدينة بوفاريك، حيث أصرّت على التعلم رغم صغر سنّها، فكانت تذهب رفقة إخوتها إلى المدرسة وتختار الجلوس في آخر القسم، وفي أحد الأيام كانت للمفتش زيارة لقسم آمنة، ووجّه لها أسئلة ليختبرها فكانت إجابتها صحيحة، فتم تسجيلها رسميا في المدرسة، وبعد سنوات من الجد والمثابرة نالت شهادة التعليم الابتدائي سنة 1973.

بعد نيلها لشهادة التعليم الابتدائي واصلت دراستها في متوسطة «فيكتور هيجو»، أين كان والدها مدرّسا بها لمادّة الأدب العربي، وقد تتلمذت الطّالبة آمنة على يد والدها في كل سنوات دراستها بالمتوسطة، فتأثّرت كثيرا بأسلوبه في التدريس وتفانيه في العمل وإخلاصه الشديد في أداء رسالته النبيلة، فكان قدوة لها في مشوارها الدراسي والوظيفي بعد ذلك. كانت آمنة في مرحلة المتوسط متفوقة في جميع المواد العلمية والأدبية على السّواء، ونالت شهادة التعليم المتوسط سنة 1977 بامتياز، وكانت الأولى على مستوى ولاية البليدة ونالت تكريما من طرف الوالي آنذاك.

بعدها انضمت الطّالبة آمنة إلى ثانوية ابن تومرت في نفس المدينة، واختارت شعبة علوم، وتفوّقت في دراستها كالعادة إلى أن تحصّلت على شهادة البكالوريا سنة 1980.

 

الدراسة الجامعية: 

بعد حصولها على شهادة الباكالوريا كان اختيار الطالبة للتخصص الجامعي سهلا ومحسوما، حيث التحقت مباشرة بالمدرسة العليا للأساتذة في القبة، وهذا لحبها الشديد للتعليم أسوة بوالدها. فسجلت في شعبة البيولوجيا وتحصلت على شهادة الليسانس سنة 1983، فكانت من الأوائل في دفعتها مما أعطي لها الخيار بين إمضاء عقد التنصيب كمدرّسة أو تواصل الدراسة، فاختارت مواصلة الدراسات العليا بجامعة باب الزوار في تخصص فيزيولوجيا الحيوان أين توّجت سنوات دراستها بمناقشة بحث قيّم تحت إشراف الأستاذة الفرنسية Gernigon وهذا سنة 1988، حيث نالت فيه تقدير ممتاز وعلامة 19/20 مع تهنئة اللجنة وقد كانت الطالبة بالموازاة مع دراستها تشتغل أستاذة بالمعهد التكنولوجي لتكوين المعلّمين "ابن الجوزي" ببوفاريك، حيث وفّقت في الجمع بين الدراسة والعمل.

عرضت المشرفة على طالبتها السفر إلى فرنسا لتكمل بحثها، لكن ظروفها العائلية حالت دون ذلك.

 

العمل والتدريس:

وفي المعهد التكنولوجي ببوفاريك اشتغلت الأستاذة آمنة بمهنة تدريس المعلمين وهذا منذ سنة 1983 إلى أن تم حرقه في فترة العشرية السوداء سنة 1995، وقد تخرجت على يديها العديد من الدفعات، بعدها انتقلت للمعهد التكنولوجي لمدينة البليدة لتقوم بمهمة تكوين أساتذة التعليم المتوسط في مادة العلوم الطبيعية ولكن بعد عام أغلق، ثم انتقلت سنة 1997 إلى ثانوية زيدان محمد في نفس البلدة لتواصل رسالتها في التعليم وهذا إلى غاية سنة 2012، وخلال هذه الفترة بذلت قصارى جهدها مستعينة بخبرتها المكتسبة من المعهد التكنولوجي وخصصتها لتلاميذ الثانوية.

وبعد هذا المسار الحافل للأستاذة آمنة بلقاسمي، تشاء الأقدار سنة 2012 أن تعصف بها ظروف عائلية خاصة حالت دون إتمامها للتدريس فاتخذت قرارها في التقاعد قبل أوانه مما تفاجأ له الأساتذة وإدارة الثانوية وتأسفوا لذلك كثيرا، لكن الظّروف التي أجبرت السيدة آمنة في التقاعد كانت بمثابة قرار لا رجعة فيه، ويعود هذا القرار إلى مرض والدها وعجزه، وانتقال والدتها قبل ذلك إلى جوار ربها سنة 2007، فبات من الضروري أن تتولى بنفسها خدمة والدها، براّ به فهذا الأمر يعتبر لدى آمنة من أولى الأولويات. حيث تعتقد أن بر الوالدين يصنع المعجزات في الحياة  الدنيا قبل الآخرة وهو سرّ نجاحها، فبفضل الله  وبفضل دعوات تلاميذها نالت التوفيق في مسارها.

 

الأعمال والإنجازات :

استمرت الأستاذة في خدمة والدها، لكن لم تفارق العلم بل حاولت الاستمرار فيه بتقديم دروس دعم إضافية للتلاميذ وخاصة المقبلين على شهادة الباكالوريا، وأبناء العائلة وأبناء حيِّها، وكانت أحيانا تشرف على ترسيم بعض الأساتذة في تخصصها، ومن بين الأعمال التي قامت بها:

  • تأطير الندوات التعليمية والتربوية مع مفتش المادة خلال السنوات 2010 - 2012.
  • تأليف كتب مدرسية خارجية بالاشتراك مع مجموعة من الأساتذة وهي: كتاب «الرائد في علوم الطبيعة والحياة»

للسنة أولى ثانوي، وكذلك كتاب «المعاصر في علوم الطبيعة والحياة» للمستوى الثالثة ثانوي.

 

  •  
  •  
  •  
  •