خالد بعمور الشيخ

 

سألني مستفزّاً 1، ماذا تعرف عن البلدان العربية من أمثال سوريا ومصر والسودان... خارج دائرة ضوء الإعلام؟ وكم من الولايات في بلدك الجزائر زرتها بنيّة السير في الأرض وبنيّة صلة الرحم؟ بل كم تعرف أصلا عن أسماء قرى ومداشر من بلدك أو من أحياء عريقة في سوريا مثلا؟

وقفت واجما حائرا أمام هذا السؤال فقد كنت من الفاشلين في هذا الاختبار لأنني ألفيت نفسي أعرف عن أمريكا وفرنسا وبريطانيا.. أكثر مما يعرف أهلها عنها، وأجهل أقرب الناس إليّ من مناطق ولهجات وأعلام، ولو كنت أعرفها فهي لا تعدو أن تكون معرفة اختزالية لا تعطي حقيقة الشيء بل تشوّه.

كنت سارح الذهن واستفقت على وقع هذا السؤال العميق البسيط الذي كان شرارة انطلاق حفل وسام العالم الجزائري في طبعته العاشرة، وقد كنت هذه السنة على خلاف السنوات الماضية من داخل بيت هذا الوسام واقفا في ثغر من تنظيم هذا الحفل، ومنه وبه أدركت العديد من القضايا الكبرى والمشكلات الحضارية العميقة فلقد عُمل على تقطيع "النسيج الحضاري" للأمة الإسلامية عقودا من الزمن من خلال خيوط الاستعمار و"القابلية للاستعمار" المتمثلة في خيوط الدين والعرق واللغة والهوية.. ومن بين هذه القضايا والتي نراها في خضم تفاصيل الحياة أنها من الأمور البسيطة أو من القناعات التي لا تناقش، ما يسمى في نموذج الرشد "المعطى الكوني"؛ أي أن الإنسان يكون تفكيره بأفق إنساني وإسلامي توحيدي عالمي، إذ إن التخلف الحضاري عموما يكرّس الانتماء إلى الأوعية الحضارية الأدنى، على حساب الأعلى، أما التمكين والاستخلاف والتطور فإنها تدفع إلى العالمية والكونية 2، والتفكير بهذا المعطى أو الأفق يعطي لأفعالنا بعداً حضاريا راقيا ومنصة حوارية مفتوحة.

لقد كان التكريم يحمل أبعادا حضارية متعددة، بداية هو قربى إلى الله تعالى، واعتذار إلى كل من سوريا والشعب السوري العريق لنضاله المستمر ولصبره على الفتن، لهذا قد حملت وحمّلت وسامَ المسؤولية من خلال هذا التكريم إلى كل جزائري أن يفقه وحدة الوطن وفتك الفتن بالأمم ليعتبر من إخوانه في البلدان العربية والإسلامية، فلا ينجر إلى الفتن والاستجابة لمخططات التقسيم وأهداف التخريب، كما أن التكريم أخذ بعدا روحيا آخر، حيث لم يكن تكريم لشخص الأستاذ عدنان سالم أو لسوريا فقط..، بل لأن الدار "دار الفكر" والأستاذ والشعب قد حضنوا الجزائر من لدن الأمير عبد القادر رحمه الله إلى مالك بن نبي الذي لا يزال بيننا حاضرا بفكره .

التكريم هذه السنة كان لعالم ترك لنا وصية قبل أن يذهب تقول: "سأعود بعد 30 سنة" وها هو ذا أستاذنا مالك بن نبي من خلال الأستاذ عدنان سالم ودار الفكر يعود إلى الجزائر بطرحه الفكري العميق وبأسلوبه المباشر الصادق في معالجة مشكلات الحضارة في عالم المسلمين، حيث لم يبق باب مكتبة جزائرية لم تطرق فيه دار الفكر بمنشوراتها الرائدة من خلال مالك بن نبي ومن خلال أعلام آخرين رصعوا صورة الفكر المعتدل.

من كلمة حساسة ومؤثرة للأستاذ محمد عدنان سالم المكرّم بالوسام قال فيها: إننا حاولنا أن نطبع كتابا والذي تمثل في مجموعة حوارات بين الإسلاميين والعلمانيين، لأننا وجدنا أن هناك علمانيين لا يعرفون الإسلاميين على حقيقتهم، كما أن الإسلاميين لا يقرأون إلاّ لعلمائهم وتوجهاتهم، فكانت أحادية الخطاب وفقدان الحوار الحضاري الجاد في بيت العالم العربي وفي نفسية المسلم من الأسباب المحورية في تخلّفنا اليوم3، من هذه الكلمات أصابني القلق في أمر أننا نملك أفكاراً عميقة إلاّ أننا لا نفعّل أساليب عملية، إننا نبني القصور كثيرا ونشيد الجسور قليلا..

من هنا كانت رسالة الوسام في هذه السنة قوية تضرب في هذا الأفق في المستوى المعرفي وفي المستوى العملي المباشر في حياة المسلمين اليوم، فكيف يمكن أن يكون هناك توافق بين لقبين او اسمين أو طائفتين مهما كان انتماؤهما ومهما كان تبرير هذا الانتماء، ما لم تكن هناك منصة لحوار أو حتى سماع للآخر دون خلفيات أو حواجز، فالله تبارك وتعالى يقول للمؤمنين في حق المشركين : "وإن اَحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون" التوبة الآية 06

وقد اختير لهذا الحفل هذه الصيغة لكي يهمس في أذن كل جزائري وفي كل طفل وطفلة أن أوصال هذا الوطن ونسيجه قد عُمل على تقطيعه لمدة تزيد عن القرنين، وقد غدا من الواجب علينا اليوم أن نعمل على شد لحمة هذا الوطن وربط نسيج الوطنية والأخوة بيننا من خلال محضن التربية ورسالة المعلم.

وهكذا أخذ التكريم للمعلم الجزائري هذا المبدأ فكانت الخريطة تجول من ولاية برج بوعريريج في الأستاذ المسعود خضّور معلّم القرن، فولاية عنابة في الأستاذة فريدة لبعل محبّة التعليم ومحببته، ثم ولاية الشلف في الأستاذة فريدة حطاب الأم والمعلمة والمربية، إلى ولاية غرداية في الأستاذ محمد باحريز أب المعلمين، ثم إلى ولاية أدرار في الشيخ البكراوي حكيم القرآن الكريم وجنده ، ثم إلى ولاية بجاية في الأستاذة فتيحة بوسماحة معلمة الحياة، ثم إلى ولاية البليدة في الأستاذة آمنة بلقاسمي المعلّم البارّ لوالديه، وصولا إلى ولاية تلمسان في الأستاذ إدريس مزيان الأستاذ المخلص الحكيم.

خلال ساعات هذا الحفل، عشنا هذه اللحظات وقد عبّر عنها كثير من الحاضرين بإخلاص وعاطفة تنم عن صدق وتطلّع إلى هذا الأفق من التفكير والعمل، عشنا لحظات يلتقي فيها العالم الجزائري مع العالم السوري الذي يمثل المفكر الجزائري مالك بن نبي، ولحظات أخرى يلتقي فيها المعلم الشيخ من جنوب الجزائر مع المعلمة من شمالها، فيها التقت المدرسة القرآنية مع المدرسة الرسمية وكلهم مثّلوا الجزائر، والتقت القراءات القرآنية مع الاختراعات في العلوم التكنولوجية والروبوت... كلها لحظات مثلتها هذه التظاهرة وقد نسينا فيها حقيقة "سايكس بيكو" العالم العربي، كما نسينا فيها خريطة الجزائر وتذّكرنا أن الأوطان من الإيمان وأن الإسلام من الأخوة فلا يمكن أن نكون متحدين في الجغرافيا إذا لم نكن متوافقين في القلوب على اختلافها.

في هذا الحفل الاستثنائي من نوعه فكرة وتنظيما وتوفيقا من الله عشنا حالة وعيّنة من حضارتنا في أفق فجر نأمله أن يكون صادقا، ومن هذا نعقد نية مع قلوبنا أن نمحق كل تصنيف اختزالي يمنعنا بأن نكون وطنا واحدا، كما نعاهد أنفسنا على قلة حيلتها على  توسيع جغرافيتنا الإدراكية سفراً وقراءة.. للخروج من البامبوطية4 القاتلة التي تمر من خلالها وبفضلها مخططات تقسيمنا ومشاريع تفكيكنا، كما نعرض إعراض اللغو عن القنوات التي تسوّق لنا الآخر بصورة الشيطان المارد أو الملك المجرّد... ولنحاول أن نلبس نظارات إنسانية في حياتنا اليومية تبصر الخير بجانب الشر وترى الخلق إنسا قادرون على تجسم أنبل التضحيات كما هم يملكون القدرة على ارتكاب الأخطاء، إلاّ أن جزائرنا وأوطاننا لا يمكن أن تكون خير وتحضّراً كله وهي مرشحة لذلك، كما أنها ليست شرا وتخلفا كلها وهي تحاول الخروج من ذلك...


 

 


1 السؤال جاء محترقا يلفح العقول والقلوب من رئيس مؤسسة وسام ومنشط الحفل د. طه كوزي

2 باباعمي، محمد، الوعاء الحضاري،ط1، مؤسسة كتابك، الجزائر العاصمة، 2015، ص:23   

3 مقولة للأستاذ عدنان سالم خلال حفل التكريم، بتصرف

4 باباعمي، محمد، ذي قربتي، مقال أقزام البامبوطي وجغرافية الإدراك