شاءت الأقدار الإلهية ألا أكون حاضرا بجسدي في الطبعة الخامسة عشر لحفل وسام العالم الجزائري، والذي أقيمت فعالياته بالمركز الثقافي للجامع الجامع، الصرح الذي رفع رأس الجزائر عاليا، بما يحمله من دلالة، ولما له من رمزية، المسمى "جامع الجزائر" تسمية جامعة لا شك وأنها تسر الشيخ البشير الإبراهيمي في قبره، فهو الذي كان يهيم في حب الجزائر، ويعيش لأجلها، والذي كتب بمصر يوما مقالته "تحية غائب كالآيب.." قال في أولها: حيّ الجزائر عني يا صبا.... 

 

البعد الجغرافي لم يكن لينقص من الحرص على شهود فعاليات حفل الوسام لحظة بلحظة.. فهو الحدث المنتظر كل عام، وإليه تُشَدُّ الأبصار وتترك الأسفار، إلا ما كان قاهرا بقدرة الواحد القهار.. فحضور الوسام مما يزيد في الأعمار، سواء بالليل كان أو بالنهار..

 

والمهم، أن حفل الوسام هذا العام، قد جاء وأنا بصدد البحث في فكر الشيخ البشير الإبراهيمي، وتحديدا في معاني الاحتفالات عند العلامة، فوجدتُني أتأمل نموذجا واقعيا لما أطلع عليه نظريا..

 

كان البشير ينتقد في سياقه صورتين، صورةً ممسوخة مميتة قاتلة للهوية وابعاده، مستَلَبة في هوى الغرب والآخر المهيمن.. وصورةً جامدة ميتة هامدة لا حظ لها من الفن ولا نصيب.. ليؤسس للصورة البديلة، والنموذج المنشود في مختلف الاحتفالات التي شهدها أو كان من ورائها.. وأحسب أن تحدي الصورتين لا يزال قائما، ما بين جامد ميت، وأجير جائر مميت..

 

إذا كانت غاية الاحتفالات التي تروج لها مذاهب اللذة تحقيق أكبر قدر ممكن من المتعة اللحظية والآنية "بالتوافه والسفاسف" من جهة، وإذا كانت محضَ تكرار "الصور العادية الساذجة" في أعين من عُدِم الإحساس الفني والجمالي وأصيب ببلادة الحس، فإنها في نظر الإبراهيمي قيمة عليا تتجاوز محض اللهو والترف إلى إعلاء النفوس ورفع القيم.. وإن حفل وسام العالم الجزائري قد كان برهان ذلك السمو ومصداقه على أرض الواقع..

 

يأتي الوسام آخر كل عام، لينسخ السقف العالي المتوقع من المحافل، السقف الذي رفعه هو بنفسه في آخر طبعة قبل عام..

 

في الواقع، لم يأت الوسام لينافس أحدا، لكنه بحق لو أراد أحد أن يقحمه في مضمار المنافسة ما وجده إلا منافسا نفسَه، فهو يزداد علوا مع كل طبعة وسناء، ويتوسع في الزمان وفي الفضاء.. من معهد المناهج سنة 2007 إلى الأوبرا، ومن المؤتمرات إلى الأطلس، وها قد وصل إلى صرح جامع الجزائر سنة 2024..

 

مجتمع الوسام، علماءٌ وذووهم، حاضرون وحاضراتٌ، متطوعون ومتطوعاتٌ، لا تكفيهم القاعات، ولا تسعهم الفضاءات، فضلا عن مختصر اللحظات، ما جعل الوسام ينتقل من حدث في نصف يوم تدبيرته عام، إلى أسبوع وأيام تدبيراتها جهود مضاعفة خلال كامل العام..

 

لقد مَثَّل هذا التوسع تحديا، وأفقا جديدا، وسقفا عاليا، فأيام علمية، وبرنامج تربوي وختام بحفل الوسام، لا شك وأنه سيواجه تحديات التغير والنمو، هذا ما جعلنا -نحن أبناء الوسام الذين قضينا معه خمسة عشر عاما له متابعين- نتساءل بقلق، ونترقب بأمل، وننتظر بشغف، ونستبق الأيام على عجل، منذ لحظة الإعلان عن موعد الوسام..

 

الساعة تشير إلى السابعة لدي، السادسة بتوقيت الوسام، ومنافسة الوسام نفسه، تجعلنا نحتسب له الثواني والدقائق، على أمل الاقتداء والتأسي، لا محض الترقب والتسلي.. وقد كان أثر التوسع واضحا في دخلة الوسام هذه المرة، فانتابني توجس.. سرعان ما تبدد مع أولى فقرات الوسام.. تلاوة سامية راقية بنفس جماعي من فرقة سما الفنية.. وهم يتلون أولى آيات "إني جاعل في الأرض خليفة".. ونعم الاختيار للآيات، وما أجملها طلة بهية لبلابل الفرقة..

 

ثم كانت الكلمة الافتتاحية للأستاذ محمد بوسحابة مبينة مقاصد الوسام، ورمزية المكان، وقيمة الزمان، فكانت خير فاتحة لحفل الوسام، ثم توالت الفقرات، وكان مستجد العام، ترديد مركز لمفردة يبتهج لها المتابع للوسام، وهي مفردة "المجلس العلمي للوسام"، آحاد علماء الجزائر قد شكلوا اليوم مجلسا، ولم يعد ثمة هذا وذاك، ولكن أولاء.. نعم.. للجزائر علماؤها.. وللعلماء مجلسهم ضمن مؤسسة وسام العالم الجزائري..

 

ارتقى السادة العلماء أ.د بلقاسم حبة، أ.د بشير حليمي، أ.د نصرالدين سعيدوني، أ.د بن عيسى عبد النبي، ليقدموا ويعلنوا عن السادة العلماء المتوجين بـــــ ولوسام عالم الجزائر 2024: ففي فيزياء الكوانتم أ. د. محمد بورنان، وفي الترددات الراديوية الغزية الجزائرية د. مها سعدي عاشور، ورائد البحث الأثري في الجزائر أ. د. محمد سحنوني، والعالم بالبصريات أ. د. مليك معزة.. أربعة نجوم أضاءوا سماء الوسام وسموا به عاليا، أربعة كانوا في عداد من لا يعرفهم "عامة الناس"، وسيصيرون القدوة بعد اليوم، والعَلَمَ إذا ذُكِر العِلْمُ في الجزائر، ولِكُلٍّ من الأربعة حكاية، ومبتدأ، ومسار، ومنجزات حافلة في الطريق، كل واحد من الأربعة يلهمك بطريقته، كما ألهمنا -ولا يزال- من سبق مكرما..

 

أحدث التقنيات، وأبدع اللوحات، وأجمل اللحظات يرسمها مجتمع الوسام بمنظميه ورعاته، والشكر خاص لناقلة الحدث بفائق الجودة.. مؤسسة ومضة، تحية خاصة إذ جعلتنا نعايش الوسام، ونحييه تحية الغائب كالحاضر...

 

وسام الوسام، كان كلمة المشرف العام، السيد الدكتور محمد بن موسى باباعمي، وكانت لحظة شاعرية بامتياز، من خلال الرسائل المشفرة التي قدمها، رسائل في الشكر والمسؤولية والأمل والعلم والعمل، كانت كلمة نحتها من حفريات الجزائر العميقة، الضاربة في جذور التاريخ، وكان من دررها:

 

>> إن ثمة جهات تصنع لنا نظارات نرى فيها خيرات الجزائر بعيون سوداء، ونظارات سوداء..

 

>> إن علينا أن نعرف الخير الذي بيننا في بلادنا، ليزيدنا الله خيرا آخر..

 

>> ثمة نقائص نعم، وثمة ما ينبغي تغييره بلا شك، لكن الذي يغير ما بنا هو نحن إذا أردنا..

 

>> ألا يبعث مشهد علماء الجزائر أملا كبيرا في غد أفضل للجزائر؟ ينبغي أن نصنع الأمل لهذا الوطن..

 

>> الذين يستحقون التكريم بوسام العالم الجزائري يتجاوزن ألفي اسم، ما باليد حيلة، ولكن المسيرة مستمرة، فالجزائر غنية ولود كما ترون..

 

>> وقوفنا في هذه اللحظة دونه الكثير من التضحيات في تاريخ هذا الوطن.. لم نكن لنقف في جامع الجزائر الطاهر لو أن أسلافنا رضخوا لأمر الواقع واستسلموا للغالب، فنفوسنا فداء لتلك الأرواح الطاهرة.. التي أصرت على القول: لا.. الجزائر لن تموت..

 

>> آن الأوان للجزائر أن تكون، فماذا ينقص الجزائر؟ لماذا طاقات الجزائر تتنافى ولا تتكامل؟ لنستدعي بعضنا البعض، ونجعل خير الجزائر للجزائر فنحن لسنا مهددين بالانقراض ولا بالموت، سنكون الأوائل حتما .. إذا أردنا.. وسنريد..

 

 

كانت كلمة مزلزلة في قاعة المركز الثقافي لجامع الجزائر ألقاها الدكتور من أعماق قلبه، لتصل إلى سويداء القلوب، كل من مقامه وبحسب مسؤولياته...

 

الناظر فيمن ارتقى على المنصة ليكرِّم ويكرَّم، يجد فسيفساء من التخصصات، ومزيجا متناغما من أبناء هذا الوطن مشرقا ومغربا، جنوبا وشمالا، يعمل داخل الوطن وخارجه، فالوسام يتجاوز كل التصنيفات الضيقة، والأقفاص التي يسجن فيها البعض أنفسهم، ليمهد لطريق التكامل والاجتماع والتلاقي، بدل التشرذم والعمل الفردي والتنافي.. يذكرني هذا تحديدا بقولة البشير الإبراهيمي عن الاحتفالات التي ينشدها: "[هي] بالنظر العام أدوات تعارف وتواصل وربط بين من لم تتهيأ لهم أسباب الاجتماع إلا في هذه الاحتفالات."

 

في ختام كل عام، يتألق الوسام كمرآة تعكس روعة الإبداع وروح النظام، ليصوغ للجميع درساً في التميز، ويلهم الحاضرين بجودته الفريدة. إنه نبراس يضيء طريق الساعين إلى العلو والتفرد، ويدعوهم إلى اقتفاء أثره في رحلة الإبداع والإنجاز، وكأنه ينطق بلسان الشيخ البشير الإبراهيمي: "هكذا كونوا أو لا تكونوا.."، وإن قيمة الوسام تتجلى في مجتمعه الذي يكبر باستمرار، مصادقا على القيمة العالية التي يشهده، وهذا أعلى تقييم للاحتفالات من حيث الأشكال والصور؛ "أن ينساق إليها الجمهور بسائق وجداني" كما قال الشيخ البشير..

 

اختُتم حفل الوسام، وها هو أثر تجدده قد بدأ لتوه، يبث فينا أمالًا جديدة ويغرس بذور الهمة والعزيمة، لقد انقضى الحفل، لكنه ترك في نفوسنا شعلة أخرى متقدة من حب العلم وأهله، وروحًا متجددة للعمل والتفاني، فكل الشكر والامتنان والتحية لمؤسسة وسام العالم الجزائري، نعم، للجزائر علماؤها..

 

محمد هيبة، مكتبة الإسكندرية

الإثنين 14 جمادى الآخرة 1446 هـ / 16 ديسمبر 2024 م. قبيل صلاة العصر.