حياة بومزبر
بســــــــم الله الرحمـــن الرحيــــــــم
وســــام للقلــم ووسام للمعلّــم
عجِبتُ لسورة في القرآن تسمى بسورة القلم، ذاك الذي ألِفناه أداة للكتابة ولا شيء غير ذلك، كيف يقسم به الله عز وجل وبما يخطه من سطور على الورق، ولا يقسم سبحانه إلا بعظيم!
من أولى الأيام التي نذهب فيها إلى المدرسة، نصطحب محفظة تحمل كراريس وأقلاما. ومن أولى أيامنا فيها تبدأ أصابعنا الصغيرة تمسك بالقلم لتخطّ به حروفا على الكراس، ويبدأ المعلّم مهمّـته في تعليمنا إياها، لتصير بعدها كلمات ومعلومات وعلوماً.
فإذا كان للقلم كل تلك المكانة وذلك الشأن، فماذا عن ذلك الإنسان الذي هو أكرم مخلوقات الله عز وجل، عندما يصبح هو الذي يعلّمنا الكتابة: قيد العلوم وذاكرتها.
عهدنا منذ سنوات من مؤسسة آلت على نفسها تكريم أشرف الناس بعد الأنبياء عليهم السلام بِـ "وسام العالم الجزائري"، لتحمل على منابر من نور أسماء لجزائريين شَرُفوا بالعلم، وشرّفوا الوطن الذي آواهم ورباهم وعلّمهم، تحت مرأى ممّن دُعوا ليشهدوا انتصار العلم وأهله.
كانت في طبعاتها السابقة تكرّم العالم الجزائري الذي تخرّج على يد معلّمين جزائريين درجوا معه عبر مراحل تعليمه، - وكل منهم لا يفتأ يذكر معلميه بخير ويعترف لهم بالجميل-، فأرادت مؤسسة "وسام العالم الجزائري"، أن تلتفت هذه المرة إلى الذين علّموهم ونشّؤوهم إلى أن صاروا ذلك اللقب الذي نالوا به ذلك التكريم: إنه "المعلّم".
لقد آثرت في هذه السنة - وتتويجا لعشرية الوسام- تكريم "البذرة" بعد تسع سنوات خلت من تكريمها "للثمرة" ، لتقول نعم للمعلّم شرف حمل العلم إلى ذلك الذي صار طبيبا ومهندسا ومخترعا وباحثا ومفكرا وعالما نِحريرا في مجال من مجالات العلوم.
كان الحفـل بهيجا في ذلك الصرح الجميل بأوبِرا الجزائر "بوعلام بسايح"، كان مختلفا وكان مبدعا، كباقة من زهور شتى كانت تضاهي الزهور الجميلة التي ترصع أعمدة بَهْو الأوبرا. أما المعلمون السبعة الذين اختيروا للتكريم فقد اعتلوا المنبر ليكونوا مثل تلك الثريات البديعة المعلّقة بمدخل الأوبرا، وكانت كلماتهم تنزل على قلوبنا كاللؤلؤ، فتذكرنا بمعلمينا وأصحاب الفضل علينا، الذين غابوا عنا وغبنا عنهم بعد أن أدوا الأمانة، وأرشدوا ونصحوا، لا ينتظرون منا جزاء ولا شكورا.
في كل عام، تأتي مناسبة الوسام التي ننتظرها بشوق، لتلج إلى أعماقنا بلطف فتحرك فيها الحنين إلى كل ما هو جميل في العالم اللامادي، بعد أن كاد يكتم أنفاسها عالمنا المادي المهيمن. وتحيي فينا مشاعر الحب والرحمة والصدق والبر والكلمة الطيبة، فتنتعش بها قلوبنا، وتستجيب لها عيوننا بالدموع، دموع الفرح والابتهاج، أن ليست بالبضاعة الكاسدة، وليست مجرد كلمات في الكتب، أو آمال بعيدة تسبح بسماء المدينة الفاضلة.
إنّ الذي يحسن القراءة بين السطور، يدرك أن أصحاب هذه المؤسسة لم يكونوا يَشيدون بالأشخاص بقدر ما كانوا يشيدون بالقيم والمعاني التي كانوا يحملونها، والأخلاق التي كانوا يجسدونها. وبها كانوا يتعرفون، في جنح الظلام الحالك الذي غطى على القيم وطمس المعاني، على من امتزج خلُقهم بعلمهم، وزيّن علمُهم أخلاقَهم.
لقد جاءوا عليها ببيّنة وأحضروا شهودا، فانشرحت الصدور بعد أن ضاقت، وأينعت المعاني في القلوب من جديد إيمانا وتصديقا بما تراه الأعين.
فلله دَرّ القائمين على هذه التظاهرة الموقّرة، كم أحيوا من نفوس وأبطلوا من أكاذيب غرست اليأس والقنوط في أهل هذا البلد الأبيّ!
عَودٌ إلى ذلك اليوم المشهود، الذي لم يُخلَّف فيه فرد من العائلة: عائلة العلم والقلم. فحضر المعلّم والعالم، وحضر الكاتب والناشر.
فمن براعة الاستهلال أن ابتدأ الحفل بتكريم رجل أثنى ظهرَه ثقلُ الأمانة التي حملها عقودا من الزمن، هو الأستاذ محمد عـدنان سالم، مؤسس دار الفكر السورية؛ أكبر دار للنشر وأكثرها تميزا في العالم العربي.
وهو المثقف العربي الأصيل الذي نمْتنّ له بإخراج كتب المفكر الجزائري مالك بن نبي، وقد عهد بها إليه ولم يأتمن عليها أحدا غيره. فكلّ من قرأ للأستاذ بن نبي، واستنار بأفكاره النيّرة في الفكر والثقافة والحضارة، عليه واجب الشكر والعرفان للأستاذ سالم. وذاك واجب آخر أدته عنا مؤسسة الوسام، فجزاها الله عنا خير الجزاء.
إن هذه البادرة هي تصدٍ لثقافة التغييب، وقد قال العز بن عبد السلام - رحمه الله -: «في كتمان الشهادة تضييع للحقوق»، فكم ضاعت بسبب هذه الثقافة من حقوق وكم ضيّعنا من واجبات. وإن ما قامت به مؤسسة وسام" العالم الجزائري" من تكريم لعلماء جزائريين ثم في عاشر طبعاتها لمعلّمين جزائريين، هو شهادة على حق هؤلاء في أن يُعرفوا، وحقهم في أن يُعترف لهم بالفضل.
لقد كان مفكرنا العظيم مالك بن نبي خير شاهد على عصره، وبلده، وبيئته، رغم ما مُورس عليه من سياسة التغييب، وإن شهادة الأفراد في مجتمع ما ينشئ مجتمعا شاهدا على الحق والعدل. فإن بطُل ذلك وُجِد هنالك أفراد لا يملكون إلا أن يشهدوا بالحق وإن عُدموا الأزر.
وتلك كانت مهمة مؤسسة وسام" العالم الجزائري"، أدامها الله صرحا علميا وثقافيا ينير سماء هذه الأرض الطيبة التي لا تزال تسخو بالعلماء الربانيين.

Podcast الوسام
محتوى سمعي من انتاج مؤسسة وسام العالم الجزائري, تابعنا على:
google-podcast spotify apple-podcast