أبو الأمين الهاشمي
لا أقصد بالشيخين ما قصده الأستاذ محمد الهادي الحسني في إحدى روائعه البديعة ومقالاته الفريدة وإسهاماته السديدة وتنويهاته العديدة في جريدة الشروق اليومي سليلة البصائر العريقة، عندما دبج ونسج مقالا نشر يوم الخميس 24 أبريل 2008 عن الشيخين الإمامين الجليلين عبد الحميد ابن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي، جعل الله اسميهما للخلود وروحيهما للخلد.
ولا أقصد مالم يقصده في ذات المقال، ولكني أعني بالشيخين الدكتور عبد الرزاق بن عبد الله قسوم والأستاذ محمد الصالح الهادي بن عبد الوهاب الحسني أمد الله في عمريهما ونفعنا بما ألهمهما من فصاحة لسان ونصاعة بيان، وجمال تعبير، وأصالة تفكير، فهما من مصاقيع خطباء اللسان العربي، ومن أقواهم تأثيرا في عقول السامعين ونفوسهم. ولا عجب في ذلك فهما من طينة محمد البشير الإبراهيمي وابن باديس والطيب العقبي.
لقد غمرني فيض من السعادة مثل الكثير ممن قرأ وسمع أن معهد المناهج يقلد وسام العالم الجزائري في طبعته الثالثة 1430هـ/2009م للشيخين المجددين المعتدلين. وأسميهما إن سمحا لي بذلك " المبتدأ والخبر ".
- فالأول مرفوع وعلامة رفعه ما قاله عنه الدكتور أبو القاسم سعد الله "... كما كنا نعرف أن ثقافته أهّلته لأن ينشط في ميدان علمي آخر وهو مجال الترجمة الفورية. ومن خلال هذا النشاط تولّى رئاسة جمعية المترجمين، وتنقل بين عدّة عواصم للمشاركة في المؤتمرات واللقاءات الدولية ليترجم من العربية إلى الفرنسية والعكس، ويُسهمَ في عملية التّثاقف وتلقيح الأفكار، ويسجّل رحلات وانطباعات عن الشعوب الأخرى، مما مكّنه من إثراء مقالاته برصيد واسع من المعرفة الإنسانية".
- والثاني مرفوع وعلامة رفعه ما قاله عنه الدكتور محمد باباعمي صاحب الفكرة المجسدة والمشرف على معهد المناهج، فجزاه الله كل الخير ونفع به الأمة. حيث يقول "الأستاذ الحسني نسيج وحده، وأنموذج للعالِم المسلم...، يخاطِب القلوب بخُلقه الرفيع، قبل أن يخاطب العقول بقلمه البديع... اجتمع فيه ما تفرّق في غيره: علم، وتواضع، ونكتة، وصبر، وصفاء سريرة ... أدامه الله للوطن وللإسلام ذخرا وأثرا".
وقال عنه الدكتور أبو القاسم سعد الله – أسعده الله - "لقد وهب الله للحسني ذاكرة قوية يستحضر بها الآيات والأحاديث والأقوال والمواقف والأمثال، فهو يكتب معتمدا على رصيد كبير من المصادر، يتمثل في نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وأشعار مختلف العصور، وأمثال العرب ومواقف الصحابة وعظماء التاريخ الإسلامي بل والتاريخ البشري".
وأردف الدكتور محمد صالح ناصر –نصره الله - " وكل من عرف الحسني أو استمع إليه محدثا أو محاضرا، لا يختلف معي -فيما أزعم-على أن مقولة النقّاد "الأسلوب هو الرجل" تتجلى بصدق وحق في هذه المقالات".
وأضاف المحتفى به معه ، الدكتور قسوم "لقد نجح أخونا محمد الهادي الحسني في التمكين لفتح عقول ناشئتنا ومثقّفينا وضمائر سياسيّينا بالأدّلة والبراهين، على صناّع المؤامرة علينا، حتى نعدّ العدّة لشدّ حصوننا من الداخل والخارج ...
وإذا كان البلاء موكَلاً بالمنطق، فإن المؤلّف الصدّيق محمد الهادي قد وُهِب في كتابه من المَلكات والمواهب ما لم يوهب لغيره.
وللأمانة العلمية فمن أراد المزيد أكثر، ما عليه إلى الغوص في أعماق موقع المعهد، فهو جدير بالزيارة، لما فيه من درر ولؤلؤ ومرجان ومقالات حسان.
وأضيف على ما تكرم به أولو الفضل من تكريم وإشادة وشهادة، ما جال في خاطري من :
1- الشكر موصول إلى الدكتور محمد باباعمي وكل الفريق العامل معه، أقول ما قاله الأمير عبد القادر الجزائري(1807/1883م):
نعم ولكم فضلٌ بأشرف دعـــوة غدوتُ بها يا صاح منشرح الصــــــــدر
لمجلسكم أعلى الكرامة عندنا ولفظكم أشهى إلينا من الـــــــــــــدر
2- كلمة للشيخين ولله در القائل الشاعر صالح السويسي القيرواني (1878/1941م) ، بدءا بالمبتدأ ،ثم الخبر إذ يقول:
في أَصلِكُم حَسب، في طَبعكُم أَدَبٌ فَأَنتَ عِندي كَمثل النُور في البَصَرِ
محمدٌ لَكُم في الدَهرِ محـــمــــــدةٌ وَحُسنُ أَعمالِكُم تَغني عَن الخَــبَــرِ
وأبدع الشاعر أبو مدين التلمساني (594هـ/1198م) حين وصف العلماء فقال:
تحيا بكُم كل أرض تنزلونَ بهــــــــا كأنَّكُم بقاع الأرض أمطــــــار
وتشتهي العين فيكُم منظراً حسنا كأنَّكُم في عيون الناس أزهارُ
3-لو أوتيت مثلما أوتي الأستاذ الحسني من قلم سيّال، وفكر جوّال، وعقل صوّال، لألّفت كتابا عن الشيخين بعنوان: "مفاكهة الخلان بأفضال الشيخان"، ولكني أقول ما قاله الشاعر الجزائري رمضان حمود (1906/1926م).
إن نفسي إلى المكارم تصبو ولها في سما البيان هيام
4- شاءت المقادير أنهما فعلا شيخين مثل الأولين:
المحمدان في الاسم اشتركـا والهادي هو البشير به اقتديا
والعبدان لله في العهد ما فرطا والرزاق هو الحميد به اتصفــــا
نصيب من الاسم لكل منكمـــا والعـدل هو الله به ترضيـــــا
وكأن المُكرِمين كرموا ابن باديس والإبراهيمي في قسوم والحسني ، فتحية لكم جميعا ودمتم في خدمة الدين والوطن واللغة، وتلكم ثوابت، أحمق وأبله ومخبول ومجنون من يظن أنها لاتجري مجرى الدم في عروقكم أيها المكرَّمون والمكرِّمون.
5-أما علاقتي بهما، علاقة قارئ بكاتب فمنذ صدور العدد الأول من البصائر في سلسلتها الرابعة 18صفر1421/22ماي 2000، المبتدأ رفع لواء "عهد جديد" بافتتاحية العدد 01، أما الخبر فرفع رسالة في آخر صفحة بذات العدد إلى رئيس فرنسا، صالحة لكل زمان وجديرة بالإعادة الآن لما تحويه من حقائق وتبيان ودلائل وبرهان، وكأني بالشيخين يحتضنان البصائر، ومنذ ذاك الحين وأنا الولهان بما يكتبان لحد الآن، وسأواصل إن شاء الواحد الديان.

Podcast الوسام
محتوى سمعي من انتاج مؤسسة وسام العالم الجزائري, تابعنا على:
google-podcast spotify apple-podcast