الدكتور. محمد بن موسى باباعمي
 

سادتي، آبائي، إخواني، يا من عمّرتم الدنيا برا وإحسانا، يا من استنزلتم الرحمات علما وعرفانا، سراة الأمة وروادها، سلاما قولا من ربٍّ رحيم، سادتي، لا أجد أفضل من أبيات لابن دريد أحييكم بها، فتقبلوها هدية، ورمز إخلاص واعتراف: 

أهلاً وسهلاً بالذين أودُّهـــــــــــــمْ          وأحبُّهـــــــــــمْ في اللهِ ذي الآلاءِ 

أهلاً بقومٍ صالحينَ ذوي تُقــــــى              غُرِّ الوجوهِ وزينِ كلِّ مَــــــــلاءِ

يَسْعونَ في طَلَبِ العـلوم بِعِفَّــــــــــة        وتَوَقُّــــــــرٍ وسَكِينَة ٍ وحَيـــــــــَاءِ

لَهُم المَهَابَة ُ والجَلاَلة ُ والنُّهَــــــــى            وفَضَائِلُ جَلَّتْ عَنِ الإِحْصَـــــاءِ 

ومِدَادُ مَا تَجْرِي بِهِ أَقْلاَمُهُــــــــــمْ             أزْكَى وأَفْضَلُ مِـنْ دمِ الشُّهَدَاءِ 

يا طالبي علمَ النَّبيِّ محمَّـــــــــــــدٍ          ما أنتمُ وســــــــــــــــواكمُ بسواءِ

        

 سادتي،

إنه الحدث السنوي الذي نرقبه بشوق ووفاء، إنه اليوم الذي تسمو فيه الأرواح بتعلق وصفاء،

يومٌ من الزمن سُلب، وللجزائر وُهب... هدية السماء، ونعمة من ربِّ الآلاء.

يوم نرفع فيه ما رفع الله، ونُخفض فيه ما خَفض الله، سبحانه وهو القائل في محكم تنزيله: "يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات" (سورة المجادلة)، وقال وهو العليم الخبير، في سورة يوسف: "نرفع درجات من نشاء، وفوق كل ذي علم عليم"... ولازم الرفع – كما قال أقطاب التأويل –: مزيدُ القربة من الله الجليل.

أمَّا مناسبة آية المجادِلة، فكأنها نزلت في مقامنا هذا، في يومنا هذا؛ لأنها آيةُ الفسح والنشوز في المجالس، ولقد قال جلَّ من قائل: "يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس فافسحوا، يفسح الله لكم"، أي: يا أهل الإيمان، إذا قيل لكم توسعوا في المجلس ليسع غيرَكم – على ضيقه، كما هو حال معهدنا هذا – فتوسعوا، وسَّع الله لكم في الجنة...

وإنا لندعو الله – سادتي الحضور – من خالص قلوبنا، أن يرفع مقامكم في الجنات، ويهبكم الفردوس الأعلى بجوار سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم...

ومحلُّ الشاهد من آية المجادلة، قوله تعالى: "وإذا قيل انشزوا فانشزوا"، والنشوز الارتفاع في الشيء، والنشوز في المجالس أن يقوم الإنسان من مجلسه ليجلس فيه غيره، إعظاما وتواضعا واعترافا بفضله.

 

لكن، كيف يكون الترتيب؟ وبمن نبدأ أولا؟ 

أ بالعالم أم بالعابد؟ 

أ بصاحب السيادة أم بصاحب الآية؟

هنا يجيب سبحانه وتعالى بما يزيل كلَّ خلاف، ويقطع قول كل خطيب: "يرفعِ الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات".

فنحن اليوم – بوسام العالم الجزائري – نمتثل لهذا المعنى العميق، ونطبِّق راضين هذا الحكم الحقيق...

ذلك أنه في أوطاننا الغالية، غالبا ما نرفع من مقامات "المغنيين والمغنيات"، و"الراقصين والراقصات"... أستغفر الله، بل من مقام "الفنانين والفنانات"...

وفي أوطاننا العزيزة، نعلي – عادة – من شأن الأفلام، ونحتفي أبدا بإنجازات الأقدام، ونستصغر - تبعاً – ثمرات الأقلام...

لكن سادتي، هل نرضى بهذا الواقع ونسلّم به؟

أم تُرانا نبرره، ونقول ما يقوله الناس: هذا حكم الناس، فكن مع الناس؟   

أم عسانا نثور، أو نجور، أو نفور؟

لا هذا ولا ذاك، ولكننا نضع لبنة في عمارة، ونضيف إلى نهر الخير قطرة، ونُنقد من شاطئ البحر صدفة...

الحلُّ أن يفكر كلّ واحد منا في واجبه لا غير... ويسأل نفسه صادقا: ماذا عملت فيما علمت؟ 

بهذا المنطق القرآني، ومن هذا المنطلق الرساليِّ، صُغنا ــ من أول يوم ــ أسس "وسام العالم الجزائري"..

وها نحن اليوم – بعد ثلاث حجج كاملة – نتمتع بحضوركم الكريم، في الطبعة الثالثة لهذا المشروع الوليد، داعين الله تعالى أن يبلغنا ويبلغكم جميعا عامه العشرين، ثم يبلغ أبناءنا وأحفادنا قرنه الأول، ثم الثاني، فالثالث... وجزائرنا حينها، بل وإسلامنا، في عزة ومكانة ومهابة...

 

شاء الله تعالى أن يكون "شيخ المؤرخين الجزائريين"، أستاذنا الدكتور أبو القاسم سعد الله، عروس الوسام الأول وزينته... وها هو اليوم بيننا صحيحا معافى، يسخو على الأمة بما آتاه الله، لا يثنيه كِبر ولا عياء... وهو في ذلك ولذلك قدوتنا وأسوتنا بلا مراء.

ثم يشاء الله تعالى أن يكون أستاذنا الدكتور محمد ناصر، فارس الوسام الثاني وعقده، وهو كالمزن يسقي كلَّ أرض، وينفع الله بعلمه كلَّ عقل... لا يسأل الناس جزاء ولا شكورا...

أما في علوم الكون، فكان الوسام للفلكي العالم جمال ميموني، الذي ملأ الآفاق معارف وبحوثا، وسما بالجزائر في المحافل الدولية، حتى غدت مضرب المثل في الرصد والحساب والكوسمولوجيا... 

 

وها نحن اليوم في الطبعة الثالثة، والسنة الثالثة، نحظى بتكريم عالمين جليلين، جاءت تزكيتهما بعد فرز للأصوات على وضح النهار، من مئات الترشيحات جرت في موقعنا الإلكتروني، ثم بالاتصال بالعديد من الجامعات، وأخيرا بإعلان في "إذاعة القرآن الكريم"، الشريك الرئيس لهذا الحفل البهيج...

فتلقينا ما يزيد على مائة وأربعين مرشَّحا، من مختلف العلوم، ومن شتى الجامعات، وبالعديد من الاعتبارات... فشاء العلي القدير أن يظهر أعلى القائمة اسمان وعالمان، لا فاصل بينهما، كأن الواقع والحياة وعهدَنا بهما يتكرر في هذا الاستفتاء...

الأستاذ الفيلسوف: الدكتور عبد الرزاق قسوم...

والأستاذ الأديب:  الشيخ محمد الهادي الحسني...

أخي، نكاد نجزم أنك إذا رأيت أحدهما في ناد فانتظر الثاني، وإذا سمعت لأحدهما في حفل فترقب الموالي...إنهما بمثابة الشَّمال والجنوب في الجغرافيا، إذا قلت: "هذا شمال" فقد قلت: "ذاك جنوب"، وإذا ذكرت مناقب الجنوب فقد ألمحت إلى فضائل الشمال... ولطالما سمعنا حوارا أدبيا بينهما في فضل الشمال على الجنوب أو العكس، كلٌّ يدافع عن محتده ومنبته... ولكنهما في الأخير جزائر واحدة، هما عنوان وَحدتها ودليل عزَّتها...

لم يجتمعا لأنهما تشابها، لكن لأنهما تكاملا... ذلك أنَّ "وقوع الطيور على أشكالها" من فطرة الحياة، فلو كان تلاقيهما لهذا، لما كان لهما من فضل...

لكنَّ الواحد منهما فيلسوف، والآخر مؤرخ... 

الأوَّل إداريٌّ ورئيس للجامعة وللعديد من المؤسسات الفكرية، أمَّا الثاني فهو المبغض لمادة "ّأدار، يدير، إدارة"... ولكلِّ ما اشتق منها...

أحدهما أميل إلى الجد إلاَّ إذا بَسطت المجالس فنكتته وبداهته حاضران لا ينقطعان... أمَّا الثاني فهو في أسلوبه أميل إلى السخرية ومعالجة أعقد المواضيع بالدُّعابة والنكتة والإشارة، حتى إذا جدَّ الجدُّ واقترب النزال كرَّر مقولة القائل:

إني من غزية إن غوت غويت                 وإن ترشـــــــــــــــــــد غزية أرشدِ

ثم إنَّ أحدهما أقرب إلى الأكاديمية والجامعة ونخبة البلد، والثاني ألصق بالشارع والحي وعمق البلد...

وأخيرا، أراد الله تعالى أن يكونا في أرض المولد كذلك مختلفيْن، الأوَّل من المغيَّر  بوادي سوف، بما تحمله من أصالة الإيمان، وروعة الصحراء، وما تمثله من عمق في الثقافة والفكر... أمَّا الثاني، فهو من جيملة بجيجل، بما ترمز إليه من معاني الشهادة، وجلال الثورة، وبما تنضح به من جمال الطبيعة، بجبالها ووهادها، وبأنهارها وبحارها...

 

أيا عجبا، كيف تَكامل الاثنان، فصارا واحدا، وانتقلت كلُّ صفة إيجابية من الشطر إلى الشطر الآخر، فبات كلٌّ منهما كامل الصفات، لما وهبه الله من فطرة وخلقة، ثم بما استقاه من خليله صفاء وحسن عِشرة...

وسبحان الله، فقد اتصلت بالدكتور قسوم يوم إعلان النتائج، ثم اتصلت بالشيخ الحسني، وأردت أن ألقى كل واحد على حده، لكن – على غير موعد، ودون أن يعرف أحدهما بالآخر – ضربا لي موعدا واحدا، في مكان واحد، في وقت واحد... فاسبتشرت خيرا، وقلت: هذا دليل توفيق وقبول، والحمد لله...

ولما أعلمت أستاذيَّ بذلك، سُرَّا وتأثرا، ففاضت عينا أحدهما دموعا، أما الآخر – جريا مع عادة التكامل مع الاختلاف – فكان عصيَّ الدمع، يصدق فيه قول أبي فراس الحمداني: 

 

أراكَ عصيَّ الدَّمْعِ شيمَتُكَ الصَّبْرُ

أما لِلْهَوى نَهْيٌ عليكَ و لا أمْرُ؟

فيجيب:

بَلى، أنا مُشْتاقٌ وعنديَ لَوْعَةٌ

ولكنَّ مِثْلي لا يُذاعُ لهُ سِرُّ!

إلى أن يقول بلسان حاله، لا بلسان مقاله:

ولو سَدَّ غيري ما سَدَدْتُ اكْتَفوا بهِ 

وما كان يَغْلو التِّبْرُ لو نَفَقَ الصُّفْرُ

 

ونَحْنُ أُناسٌ، لا تَوَسُّطَ عندنا، 

لنا الصَّدْرُ دونَ العالمينَ أو القَبْرُ

تَهونُ علينا في المعالي نُفوسُنا 

ومن خَطَبَ الحَسْناءَ لم يُغْلِها المَهْرُ

 

أخيرا، لا آخرا، سادتي...

أخاطب بهذه المناسبة كلَّ جزائري مسلم غيور... وأقول:

إنَّ لنا وطنا عزيزا كريما، فلنُبق على نضارته، ولنُعل من شأنه، بما أتانا الله من إيمان وعلم ومال وقوة، ولنذُدْ عن حياضه بمُهجنا، ولتكن صدورنا دروعا نحمي بها حماه، فلا حيينا إذا ذلَّ وطننا، ولا متنا إذا عزَّ وطننا...

لنستنزِل رحمات الله علينا، وليَقبل بعضنا بعضا، على اختلافنا وعلى تبايننا، فلا اللغة تفرقنا، ولا الثقافة تشتتنا، ولا تعدد الآراء يذهب ريحنا، ولا اختلاف المذاهب يوقع بيننا... يجمل بنا أن نكون مثل حديقة غناء يزيدها تعدد الألوان روعة وجمالا، ويَقبُح بها أن تلبس لَبوسا واحدا، أو تزدان بزيٍّ واحد، كأنها في حداد.

وليصُدق فينا قوله سبحانه وتعالى: "إنَّ الله يحبُّ الذين يقاتلون في سبيله كأنهم بنيان مرصوص". ولنذكر مقولة الإمام ابن باديس الخالدة: "ما جمعته يد الرحمن لا تفرِّقه يد الشيـطان".

ولنَجعل من هذه المناسبة حدثا وطنيا، تشارك فيه كلُّ الجهات والهيئات: من وزارات وجامعات، وقنوات وجمعيات، وشركات ومؤسسات... وليكن المخطط الاستراتيجي لهذا الوسام، بفضل الله تعالى، وبدعمكم وإيمانكم... أن يتحول إلى "نوبل الجزائر"، قيمة وقدرا... لا منهجا ولفظا...

ولتسعدوا بمقامكم بيننا، فإننا سعداء بقدومكم إلينا،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.