كنت لازلت بالجامعة يوم سمعت أوّل مرّة عن مبادرة وسام العالم الجزائري، لا أذكر من أخبرني عنها يومذاك أو كيف سمعت بها، ولكن لاشك أنّ عنوانا كبيرا كهذا سيظل عالقا بذاكرة كل من يسمعه.

حصل بعدها أن زرت أنا وصديقي أيّام معرض الكتاب جناحهم هناك؛ هناك تعرفت أكثر على المبادرة وأصحابها، وعزمت أن أحضر طبعتها لذلك العام ..الأمر الذي لم يحصل.

ربّما كنت موفقا في ذلك، إذ أنّني أشعر بكثير من الامتنان لحضور طبعة هذا العام كأوّل طبعة؛ على ما في ذلك من بعض حسرة وندم على تفويت الطبعات الماضية.

 * * * *

رفقة أبي وصديقاي فارس وياسر؛  يمّمنا وجهتنا نحو  المركز الدولي للمؤتمرات بقصر الصنوبر.

في الجلسات التي تجمع والدي بأصدقائي، دائما ما أجدني خارج الدائرة، يجيد والدي بمهارة كسب العلاقات الجديدة، ضمّ قائمة أصدقائي لأصدقائه.. أجيد أنا بالمقابل الوقوف هناك متمليا بغبطة وسرور حديثه إليهم، وانبساطه لهم، ومشاركته لهم تجارب حياته الطويلة..

حدثهم عن مسار تعليمه، عن بداياته مع الطِب ونهايته مع الهندسة، عن شغفه بالمعرفة، عن رغبته في أن ألتحق بكلية الطب، عن احترامه لرغبتي في دراسة العمارة..  وعن صحبة طويلة تجمعني به..

لم نكن ندري أنّنا بتلك الأحاديث كنا نستبق أجواء الحفل وأحداثه..

*****

طوال مسافة الطريق كنت أحاول أن أستجمع صورة واضحة للعالمين اللذين سيحضيان اليوم بتكريم مؤسسة وسام العالم الجزائري..

أعرف الدكتور ناصر الدين كمؤرخ يرجع لكتاباته في التأريخ للفترة العثمانية، لكنّ هذه المعرفة لم تتعدى قبل هذا الحد..

أما  ولده معاوية فقد سبق وأن مرّ اسمه عليّ حيث درست هناك بالمدرسة المتعددة التقنيات للهندسة المعمارية والعمران،

ومع إلحاح على الذاكرة، والعودة لبعض أعماله على النت، وجدت أنّي سبق لي و قرأت له  مقالا متميزا في مجلة عمران؛ يتحدث فيه عن أزمة التحديث والتخطيط العمراني في العالم العربي (جذورها، واقعها، آفاقها من خلال الحالة الجزائرية ) - كان هذا المقال من المقالات التأسيسية لي  في فهم الظاهرة العمرانية في الجزائر واشتباكها مع الظاهرة الاجتماعية الثقافية أيّام كنت في بداياتي الجامعية -

لكن عجيب هو الإنسان كيف يُسقط بعض الأسماء من ذاكرته على مالها من أثر عليه …

****

"أنا ممتن للحياة، لقد أعطتني ما لم أنتظره، وأعتبر نفسي أسعد مؤرخ لأنّ السنوات التي قضيتها هي 80 سنة؛ جعلتني أعيش خمسة قرون..عشت العصر الاستعماري بظلماته، والثورة بعنفوانيتها، وعشت مرحلة السنوات الأولى بحلمها الاشتراكي، والثمانينات بتقليعتها الليبرالية، والتسعينات بأمنياتها الإنسانية، وأعيش الآن بطموح؛ لكنّه ملفوف بغشاء الحزن والخوف وفرح من المستقبل، والمرحلة الآتية التي أراها..  أن الجزائر سوف توفق في المحافظة على نفسها، وسوف تكون رافعة للمنطقة بأسرها، لكن لابد من ثمن،

يجب أن يدفع الثمن "

لاشك أنّ احترافية الفريق المنظم، براعة التصميم المعماري لقاعة عبد اللطيف رحّال، وافتتاحية الاحتفال المميزة جعلتنا نندمج بسهولة ويسر في أجواء الحفل، لكنّ كل ذلك كان ينتظر شارة بداية، شارة من نوع آخر، لا تخضع كثيرا للترتيبات والبروتوكولات...

شارة تبتدئ الحفل من منتصفه، وتجعلني أعي أمام أي قامة أنا اليوم..

لقد سبق لي قبل هذا الحفل أن حضرت لأشخاص كُثر، أقامتهم المواقف والأحداث  مقام الدكتور ناصر الدين ؛ ليختصروا زمنا ممتدا عاشوه على هذه الحياة كدحا وسعيا ومراكمة أثر، ولازلت أذكر وأقيّد بعض ما قالوه في خانة الدروس التي تهديها إيّانا الحياة بأيسر سبيل وأقصره.. ذلك السبيل الذي لا يشترط على صاحبه سوى حسن الإنصات والفهم والإدراك.

غير أنّي أمام تدفق الأستاذ ناصر، لم أجد نفسي إلا منكبا على هاتفي، أسجل الكلمة تلو الكلمة، الحكمة تلو أختها..

رجل ثمانيني، يقف في هدوء، بصوت شجي، يلقي علينا كلمات كأنّها بعض كيانه، لا كلمات منثورة على ورق..

" لقد عشت حياتي كما يسرها الله لي دون خطة مني  أو تدبير..

تجربة مسار الحياة ترفض الرجوع للماضي لأنّه لا يتكرر، وتحول دون توقع المستقبل لأنّه في حكم الله، فكل مرحلة من حياتي لها خصوصيتها ومتطلباتها، وبالتالي فكل فرد يعيش حياته كتجربة خاصة لا تتكرر في غيره، وكل ما تمنيته منها أن أكون خير خلف لخير سلف.

الحياة كما تبدو لي وعي بالذات، واكتساب للتجربة، وعطاء للآخرين، اكسيرها الطموح والاندفاع والفاعلية، ومفسدتها الغرور والنرجسية والاستخفاف بالناس.

الإنسان يولد بيولوجيا مرّة واحدة، في نسخة وحيدة، لكنّ تفاعله مع الحياة قد يكتسي عدة دلالات في جمال الفكر والروح، يراجع فيها مسيرته، ويحدد فيها مواقفه على مسرح الفعل الإنساني بإنجازاته وإخفاقاته.

خير سلاح في الحياة هو احترام النفس، وصون الكرامة، والمحافظة على المصداقية والإخلاص في العمل، وتفادي النفاق والتزلف.. هنا قيمة الإنسان بلا وهم."

هكذا اختصر لنا الأستاذ ناصر فلسفته في الحياة، ليعرج بعدها للحديث عن إشكالية التميز العلمي و مكانة المثقف ودوره في مجال الفكر والمعرفة والثقافة

و المشروع الوطني المكمل لمشروع التحرير..

عن المستقبل العلمي للجزائر؛ الذي لا يتحدد إلا بصلة تجمع أبناء هذا الوطن وكفاءاته في الداخل والخارج في بيئة حرة واعية، تحركها رؤية جامعة..

وعن استحالة أن تتمثل أمّة المعرفة وهي تنكر لغتها ..

حدثنا ليختم كلمته بنداء يسمع الآذان وبستنهض الأذهان .

"لا يمكن لنا أن نعيش كما نحن الآن.. العالم يتغير…"

*****

ولأنّ الولد سر أبيه ..

فلم يتخلف الدكتور معاوية هو الآخر في أن يهدينا من حياته معالم طريق، ولعلّ ما ظلّ راسخا في ذاكرتي من كلماته؛ حديثه عن جوانب النقص التي تنبعث من كل مكان حين يُقدّم المرء لمثل هذه المحافل..

وعن حياته وخيوط المؤامرة التي أوهمته أنّه يختار سبيلا بعيدا عن تخصص والده من حيث هو يشق سبيله ليلتقي به؛  هناك بُعَيد خَطوٍ يسير..

حين يجتمع التاريخ والعمران في أرجوزة واحدة ..عنوانها … المكان ..الذاكرة والإنسان..

هذا الاجتماع الذي تُوج فيما بعد  بمؤسسة سعيدوني للتاريخ والعمارة ..

مؤسسة هي امتداد سعي الوالد وابنه، والصرح الذي يعيد ترتيب مشروع سعيدوني وتقديمه للمجتمع الجزائري بغاية المساهمة في حفظ الذاكرة التاريخية للجزائر.

*****

لم ينفرد آل سعيدوني بنظم سمفونيتهم منفردين على مسرح قاعة عبد اللطيف رحّال، بل قد أمتع آذان الحضور وشنّف أسماعهم شهادات الأصدقاء وانطباعات الأعلام العلماء الحائزين على لقب وسام العالم الجزائري في طبعاته الماضية:

(د.عبد الرزاق قسوم- أ محمد الهادي الحسني- الشيخ عبد الرحمان بعموري - البروفيسور أحمد جبار- للبروفيسور رضا تير-  المستشار علي بوغازي)

كلمة الدكتور طه كوزي رئيس مؤسسة وسام العالم الجزائري جاءت سياحة في الزمن ورحلة إلى التاريخ والمستقبل على السواء ..عنوانها "نحن أسقطنا طائرة المستعمر..لا تسقطوا طائرة الوطن"

ليكون الختام مع المشرف العام للمؤسسة الدكتور باباعمي

في كلمته الدافئة العميقة الصادقة التي ختمها برؤيته لهذه الطبعة في مسار مؤسسة الوسام :

"صار الوسام أكبر منا جميعا.. ذلك أنّه يضرب بسهم للعلم.. وبسهم للجزائر.."

ليكون بعدها التتويج والتكريم، والذين نالت فيه الزوج المصون والأم الكريمة ..الأستاذة جمانة نصيبها المستحق في استلام الوسام رفقة الأستاذ ناصر الدين ونيابة عن ولدها معاوية… تكريما حقيقا بها وبجهودها تجاه رفيقها وابنها .. وكم في ذلك من وفاء وبر وإحسان..

ولنعود من حيث بدأنا.. فإنّ الحفل بالنسبة لي لم يكن كلمات السادة الأعلام فحسب، لقد كان بين تلك الخطب و الكلمات التفاتات تتخلل المشهد، بعيدة عن الأضواء المسلطة على مسرح الحدث..وسط الجمهور، وفي منتصف القاعة، كنت هناك.. أنا وأبي؛ نتشارك قصة الولد وابنه كأشبه ما يكون ذلك سردا لثنايا حكايتنا في  إحداثيات أخرى من هذا العالم.

بداية الطريق، شغف المعرفة، العمارة، تباعد السبل والتقائها من جديد، عن عائلة تحتفي بالعلم احتفاء لا يعدله احتفاء، وعن رفيقَي طريق … قد يجمعان قصصها ذات يوم في كتاب يشبه كتاب معاوية وأبيه  … "في رفقة أبي"

وإن اختلفت العناوين .

هذه محاولة للاشارة لا للوصف؛ لحفل يضرب بسهم للعلم، وسهم للجزائر .. وبسهم ثالث يحتفي بالأسرة ورفقاء الدرب الطويل..وأي الكلمات تصف حفلا كهذا..

 

أ.محمد كمال الدين مدوي